الإدعاء العام في الشريعة الإسلامية



تاريخ المنشور 1/23/2015
الوصف

نزلت  الشريعة الإسلامية على مجتمع  ضارب في البداوة ، قائم في المجال الجنائي  على الانتقام والإيغال فيه حتى  أن القبيلة تتباهى وتقدر بين القبائل بشدة  بأسها في الانتقام والتوسع فيه  ممن يعتدي على مصالحها أو على أحد أفرادها،  ولم تكن هناك سلطة حاكمة تدير  أمورهم وتذود عنهم وإنما الأمر ملاك كل  قبيلة ومشيئة كل جماعة. ثم ظهر  المجتمع الإسلامي بعد ذلك، و عندما اشتد  عود المسلمين فأنشأوا في المدينة  مجتمعا منظما له قاعدة إدارية أو سياسية  يمكن الركون إليها في حماية  المصالح العامة التي نشأت بعيدا عن أفراد ذلك  المجتمع ، ثم تطور الأمر إلى  إقامة دولة الإسلام حيث القوة والمنعة وحيث  السلطة الآمرة القادرة على  الدفاع عن مصالح أفراد المجتمع ومصالح الدولة  معا .
وظل الإدعاء العام مواكبا تطور المجتمع ومرتبطا بحركته ، فحيثما  كان مجتمع  المسلمين فيمكة  مجرد أفراد لا تجمعهم سلطة قائمة  قادرة على  الحساب  والمساءلة كان الاتهام فرديا متروكا للأفراد في جميع صوره وكل  حالاته  وشخصيا يمارسه المضرور أو ذووه .
وعندما قام مجتمع المدينة  المنورة وأصبح الرسول صلى الله عليه وسلم يمارس  النبوة إدارة شؤون هذا  المجتمع وحمايته من الخارجين عليه ، توظيفا لسلطة  النبي في هذا المجتمع  وإعمالا لمسؤليته في حمايته والدفاع عنه وعن دين الله  واستكمال ملامحه  وتشييد بنيانه ، قام الادعاء العامإلى جانب الادعاء  الفردي كوسيلة لحماية  المجتمع من كل عدوان يمتد إليه .وعندما قامت الدولة  بكل ما لها من سلطان  ومنعة تطوّرالادعاء العاموبات من عمل الدولة ومن أهم  واجباتها دفاعا عن  المجتمع الإسلامي والأفراد فيه ، وأصبح الادعاء العام  منبسطا على جميع   الجرائم وليس للأفراد من دور في مباشرته كقاعدةواقتصر  دور الأفراد على  مجرد الإبلاغ عن الجرائم ، حيث تتولى السلطات تحقيق الأمر  ومباشرة الإدعاء  العام لإنزال العقاب على الجاني وما للفرد في مجال الجرائم  إلا المطالبة  بالتعويض عما أحدثته الجريمة به من أضرار، في ظل هذا البيان  نتحدث عن تطور  ومراحل الإدعاء العام  في شريعة الاسلام، ويمكننا أن نقسمها  إلى ثلاث  مراحل:

 

المرحلة الأولى: مرحلة الملاحقة  الشخصية:  كان المجتمع الذي بعث فيه الرسول مبشرا بدين الإسلام مجتمعا قبليا  وكانت  القبائل متناحرة تعيش على قاعدة الانتقام والمبالغة فيه ، فعندما  تقع  جريمة من شخص على آخر تقوم قبيلة المعتدى عليه برد العدوان أضعافا  مضاعفة  إلى قبيلة المعتدي ، بحيث إنها تتجاوز في عدوانها ما حاق من ضرر  بقبيلة  المعتدي ، ولا تحرص على يوجه الانتقام إلى شخص الفاعل في هذه  الجريمة  وتعايشت القبائل على هذه القواعد الظالمة وباتت تتباهى وتقدر بقدر  ما  تغالي في العدوان ، وما تسوقه على جميع أفراد القبيلة المعتدية أو على   الأقل غالبية أفرادها ، وإذا لم تكن للمسلمين في مكة حينئذ شوكة أو سلطة   حاكمة جديرة بحماية العدل والذود عن المظلومين في كلا الطرفين لم يكن   للإدعاء العام وجود حيث لا توجد سلطة حاكمة قادرة على حماية أفراد المجتمع   ورد المعتدي عن عدوانه .
في ظل هذه الظروف نجد أن التشريع الإسلامي  يتعامل مع هذه الأوضاع على أساس  من التدرج وليس على أساس من المجابهة التي  لم تكن عناصرها قد استجمعت بعد ،  ولذلك نجد أن خطاب الإسلام في هذه  المرحلة يأتي قابلا لهذه الأوضاع بصفة  عامة من حيث الإقرار بفكرة الجزاء ،  بشرط تعديلها بعدم الإسراف في رد  العدوان وبإنزال رد الفعل على شخص  الجاني وفي ظل هاتين القاعدتين نستطيع أن  نتبين مرامي الآية الكريمة: (ومن  قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا  يسرف في القتل إنه كان منصورا )  وهي آية مكية تقر فكرة الجزاء ولكنها تضبطه  بقاعدتين أساسيتين هما : عدم  التجاوز أو الإيغال فيه على أساس قوله تعالى  (فلا يسرف في القتل ) وأن  تراعى قاعدة أخرى في شخصية العقاب وهي التي تستمد  من قوله تعالى: ( ولا تز  وازرة وزر أخرى )،(كل نفس بما كسبت رهينة ) .
وفي الأثر (إن أعتى  الناس على الله يوم القيامة رجل قتل غير قاتله ورجل قتل  في الحرم ورجل قتل  بمقابل ) ويقول صاحب الكشاف: ( إن قتل النفس لا يكون  بالحق إلا بإحدى  ثلاث : النفس بالنفس والزاني المحصن والتارك لدينه المفارق  للجماعة)، وفي  الأثر (لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مسلم ) وإن ولي  القتيل هو الذي  بينه وبينه قرابة وتوجب المطالبة بدمه والسلطان يعني التسلط  على القاتل في  الاقتصاص منه أو حجة يثبت بها عليه، وإن على الولي ألا يسرف  في القتل أي  لا يقتل غير القاتل أو أكثر منه كعادة الجاهلية إذ كان قتل  منهم واحد  قتلوا به جماعة ، وقيل الإسراف هو المثلة (إنه كان منصورا) يعني  يكفيه أن  الله سبحانه قد نصره بأن أوجب له القصاص فلا يستزد على ذلك وبأن  الله قد  نصره بمعونة السلطان وبإظهار المؤمنين ، فلا يبغ ما وراء حقه ويقول  (ابن  كثير) في تفسيره (جعلنا لوليه سلطانا) أي جعلنا لوليه على القاتل ،  فإنه  بالخيار فيه إن شاء عفا عنه على الدية وإن شاء عفا عنه مجانا كما ورد  في  السنة وألا يسرف في القتل أي لا يقتل غير القاتل أو أن يقتص من غيره .
وهذه القواعد تتناسب مع مراحل الإسلام الأولى حيث لم يكن له سلطة بعد   يمكنها أن تباشر الإدعاء العام وتفرض مشيئة الله في خلقه وتأخذ بالعدل  الذي  هو اسم من أسماء الله وشريعة  أصيله في دينه ، ولذلك نجد الآيات ترى  لدعم  هذا الأسلوب في هذه المرحلة الاجتماعية ، من ذلك الآية التي تقول: (  فمن  عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من  ربكم  ورحمة) وأيضا: ( فمن تصدق به فهو كفارة له) والعفو في معنى الصفح  والإسقاط  وقد حض الله تعالى على حسن الاقتضاء من الطالب وحسن القضاء  المؤدي وذلك على  سبيل الوجوب .
وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:  ( من قتل له قتيل فهو بالخيار إما  أن يفتدي وإما أن يقتل وإما أن يعفو )  وكل هذه الآثار تشعر بحقيقة الأمر  وهو أن الأفراد هم أصحاب الحق في  المساءلة والمجني عليه ملاك العقوبة في  يده ، إلا أن حق العبد فيه هو  الغالب لذلك فإنه يترك أمر المطالبة بالعقاب  في هذه الجرائم للمجني عليه  أو أوليائه ، إن شاء طلب بالقصاص وإن شاء عفا  عن الدية أو بدونها أما دور  الجماعة في المطالبة بالحق العام فهو دور ثانوي  لا يظهر بجلاء إلا عند  العفو عن القصاص.

المرحلة الثانية: حق المجتمع في   الملاحقة: في هذه المرحلة حيث مجتمع المدينة المترابط القوى وعلى رأسه  رسول  الله صلى الله عليه وسلم وما استقر فيه من ضرورة حماية المصالح  العامة  لأفراد المجتمع وهي : الدين ، والنفس ، والعقل ، والنسل ، والمال ،  حيث  أدرك المؤمنون أن الجريمة عندما تقع لا تصيب المجني عليه وحده وإنما  تصيب  المجتمع في الصميم وعلى ذلك ينقبض كل من ترامى إلى سمعه خبر الجريمة  من  المؤمنين ، ويكون تبعا لذلك مضطرا إلى رد فعل من جانبه إزاء الجرم  الذي  اخترق به فاعله نظام الجماعة وخدش استقرارها ومزق الأمن فيها ، حتى  استقر  في ضمير الجماعة عندئذ أنه ما من حق للعبد إلا ولله فيه حق وما حق  الله إلا  حق المجتمع لأن الله ما شرع إلا لخلقه ، وفي ظل هذا التطور أصبح  على  الحاكم دور في مواجهة الخارجين على شرع الله وأصبح على الأفراد جميعا  واجب  التصدي للجناة سواء كانوا مجنيا عليهم أو حتى من آحاد الناس ممن  سمعوا بخبر  الجريمة .
وطبقا لما تقدم نستطيع فهم مرامي آيات القرآن  الكريم وأحاديث الرسول صلى  الله عليه وسلم التي تتصل بهذه المرحلة ، ذلك  أننا نلاحظ عليها أن الخطاب  موجه فيها إلى المجتمع الإسلامي بكل ما فيه من  أفراد ، فآية السرقة جرى  نصها: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء  بما كسبا )، وفي جريمة  الزنا نجد الخطاب موجها كذلك لأفراد المجتمع حيث  يقول سبحانه: ( والزانية  والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)، وكذلك  يوجه الخطاب إلى أفراد  المجتمع بصدد الجرائم عندما يقول سبحانه: (كنتم  خير أمة أخرجت للناس تأمرون  بالمعروف وتنهون عن المنكر)، وفي السنة  المطهرة يحذر الرسول عليه الصلاة  والسلام من النكول عن هذا الواجب ، أي  واجب مجابهة الجناة فيقول: (إن الناس  إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك  الله أن يعمهم بعقاب منه)، وبذلك وقر في  المجتمع الإسلامي شعور بعمومية  الضرر الناشئ عن الجريمة وأصبح على الجميع  بما فيهم ولي  الأمر أن يهبوا  للذود عن المجتمع وطلب إنزال العقاب على  الجاني، والشخص الذي لا صلة له  بالجريمة عندما يمارس الادعاء فيها ، إنما  يقوم بذلك العمل حسبة لوجه الله  وطلبا لثوابه وإعرابا عن الشعور العام  السائد في المجتمع من التضرر من  الجريمة وفاعلها، وأخذا بقاعدة قرآنية  أرساها الشارع الحكيم في لزوم الأمر  بالمعروف والنهي عن المنكر: ( ولتكن  منكم أمة يدعون إلى الخير يأمرون  بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم  المفلحون)، الآية 104 من سورة آل  عمران وإنني اعتقد بأن هذه الأية هي السند  الشرعي للنيابة العامة، وعلى  ذلك تكون مباشرة الادعاء ضد الجاني تطبيقا  لهذه الآية وإعمالا لمدلولها  ولقد نصبت الجماعة من يقوم بهذا الدور عن ولي  الأمر متمثلا في (المحتسب)  الذي يباشر الاتهام ضد الجاني لا بصفته الوظيفية  فقد تخرج مهمة الادعاء  العام عن مدلول وظيفته ولكن باعتباره مواطنا صالحا  ضمن المواطنين في  المجتمع الذي وقعت فيه الجريمة .
وهذا النظام هو الذي عرفته المجتمعات  الغربية باسم النظام الاتهامي حيث  يقرر حق الفرد في الخصومة الجنائية ولكن  في نطاق من وقعت عليه الجريمة دون  سائر المواطنين والقاعدة أن حق الفرد  في مباشرة الاتهام ضد الجاني قصد  إنزال العقاب عليه حق عام في هذه المرحلة  قرره الفقه الإسلامي ومؤدي توجيه  الخطاب إلى الجماعة وجود نقلة فكرية  تلزم الجماعة بتوقيع العقاب الوارد في  النص بمعرفة الجماعة وليس بمعرفة  المجني عليه ،  والجماعة لا تستطيع أن  تجتمع كلها لإنزال حدّ أو تنفيذ  قصاص لاعتبارات عمليه لا تخفى، وعلى ذلك لا  بد لولي الأمر وهو ممثل  الجماعة من تنفيذ الجزاءات الجنائية نيابة عن  الجماعة ، وهنا يبدو تطوير  الحق العام من مرحلة تمليكه للمجني عليه إلى  مرحلة إسناده للجماعة ممثلة  في سلطة ولي الأمر ، وهو الأمر الذي هيأ  للاتجاه إلى المرحلة  التاليه حيث  ظهرت صعوبات في الاعتماد على الأفراد  للقيام بهذا الدور ممثلا في ولي  الأمر أو من يمثله .
المرحلة الثالثة: قيام الإدعاء العام أو قيام  السلطة بالملاحقة : في هذه  المرحلة الأخيرة من تطور المجتمع الإسلامي  نلاحظ قوة المسلمين وقيام السلطة  أقوى من ذي قبل ، وهي المناسبة التي  يتكرس عندها حق الادعاء العام للدولة ،  خاصة إذا اتسع نطاق المجتمع واكتظ  أفراده ولم تعد العلاقات بالأفراد فيه  قائمة على المعرفة الشخصية  والعلاقات الحميمية بل أصبح المجتمع قائما على  أساس ذرية الأفراد فيه وما  الشخص عندئذ إلا ذرة في بحر عارم من البشر ، عند  ذلك لايتصور أن يعني شخص  بآخر لا يعرفه ولا تربطه به علاقة ما ، وعلى ذلك  لا يتصور أن يترك حق  الادعاء العام لمثل هؤلاء الأفراد الغارقين في حياتهم  الخاصة ومن ثم لا  محيص عن اضطلاع ولي الأمر بهذا الدور أو من يمثله في  القيام به ، وهذا عين  ما حدث في المرحلة الثالثة من مراحل تطور الادعاء  العام في الاسلام ،  ولقد أرشد القرآن الكريم إلى الإدعاء العام واعتبار  سلطة ولي الأمر في  القيام بهذا الدور وحقه في تعيين نائب عنه بدور المدعي  العام ، ونورد فيما  يلي الأسانيد الشرعية للإدعاء العام في الإسلام .
أولا : إن الآية  الكريمة التي تقطع بأن الجريمة لا تقع على المجني عليه  وحده وإنما تتجاوزه  إلى المجتمع بأسره ، هذه الآية ترشدنا إلى هذا المعنى  إذ تقول: (أنه من  قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس  جميعا )، فهي تقرر  ترسيخ أساس وعلة قيام الإدعاء العام ، إذ مادامت الجريمة  تصيب المجتمع  بأسره وما القتل إلا نموذج للجرائم وتأخذ سائر الجرائم حكمه  فلا بد من رد  فعل جماعي باسم المجتمع الذي وقعت فيه الجريمة لينتصر المجتمع  بعيدا عن  المجني عليه وحقوقه التي وقعت الجريمة عدوانا عليها، ذلك أن  المجني عليه  وأي فرد في المجتمع المنظم المكتظ بأفراده لم يعد قادرا على  مباشرة  الادعاء العام،  لعدم توطيد العلاقة بين  الأفراد وأن الفرد قد يرد  عليه  ما يرد على البشر من الخوف والرجاء الذي يقعد الفرد عن الوفاء بهذه   المهمه، فكثيرا ما يتكاسل الفرد في مباشرة الادعاء وقد يمتنع عن القيام به   خوفا من الجاني أو طمعا في مناعم يمنحا له وغير ذلك من الآفات الانسانية   التي لا تدع للفرد قدرة على حمل لواء الادعاء العام ، ويكون ولي الأمر بما   له من سلطة وبما هو منوط به من حماية للحقوق ورعاية لمصالح الأفراد فيه  هو  المرشح للاضطلاع بمهمة الادعاء العام،  ويتحدث الإمام التفتازاني في  هذا  السياق فيقول: (لابد للأمة من إمام يحيي الدين ويقيم السنة وينتصف   للمظلومين ويستوفي الحقوق ويضعها مواضعها )، ولا يستطيع الإمام الوفاء  بهذا  الدور إلا ممتطيا صهوة الادعاء العام الذي بموجبه يتحرك نحو إنزال  العقاب  على الجناة عن طريق القضاء .
ثانيا : ورد في الآية الكريمة  التي تقول: ( إنا أنزلنا إليك الكتاب لتحكم  بين الناس بما أراك الله) ما  يدل على أن الخطاب القرآني قد توجه إلى الرسول  مباشرة دون الأفراد وهو  بهذا النص يكون ممثلا لجميع المؤمنين وليا ومؤولا  عن أمورهم، ودعم القرآن  الكريم هذا البناء الاجتماعي بقوله سبحانه وتعالى: (  فلا وربك لا يؤمنون  حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا  مما قضيت ويسلموا  تسليما)، إذ تكرست سلطة ولي الأمر ممثلة في النبي صلى  الله عليه وسلم  وفيمن يلي من بعده للوفاء بواجبات الحماية والرعاية لأفراد  المجتمع ، فإن  مؤدي ذلك ان يباشر الادعاء العام  وصولا إلى هذه الغاية،  وقديما قال  الفقهاء إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فليس من سبيل  لإقامة حدّ  إلا بإقامة الادعاء العام باسم المجتمع لإنزال العقاب على كل من  يخترق  محارمه.
ثالثا :إن المرحلة الأولى والتي كان أمر الجزاء فيها بيد  المجني عليه  استنادا إلى قوله تعالى: ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه  سلطانا فلا يسرف  في القتل إنه كان منصورا )، هذه الآية هي تواجه جريمة  القتل في مجتمع لا  تقوم فيه سلطة نرى مدلولها في آية أخرى في ظرف اجتماعي  مختلف حيث قامت  السلطة في البلاد لذلك نجد آية أخرى تعالج ذات الجريمة  بكيفية أخرى فتقول:  (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) ،  وهنا نلاحظ أن الآية  الأولى مكية تفوض أمر العقاب إلى ولي الدم وذلك  بالقتل بينما الثانية مدنية  تخاطب المؤمنين جميعا وتعلن القصاص أي  المساواة بين الجاني والمجني عليه  وعندما يتوجه الخطاب إلى المؤمنين وهم  لا يجتمعون لتنفيذ الأمر وإنما  يركنون فيه إلى ولي الأمر الذي عليه أن  ينفذ أمر الله ، وبالتالي لإمكان  بلوغ هذه الغاية لابد من مباشرة الادعاء  العام أمام القاضي بإنزال العقاب  المقرر شرعا على الجناة ويتولى ولي الأمر  تنفيذه وإذا لابد من إسناد الأمر  إلى ولي الأمر وليس له من سبيل إلا  بمباشرة الادعاء العام .
وعلى ذلك لا تسغ العودة إلى الانتقام من جانب  ولي الدم استنادا إلى هذه  الآية التي خولته هذا الحق عند غياب السلطة في  مرحلة من مراحل تطور المجتمع  الانساني لأن مرحلة تالية تخول ولي الأمر   الإدعاء العام وإنزال العقوبة  على الجاني عن طريق سلطان الدولة ممثلة في  اجهزتها التنفيذية و القضائية،   والمتمسك بالانتقام من طرف ولي الدم  إعمالا للآية سالفة البيان كمن يتمسك  بشرب الخمر بعد الصلاة استنادا إلى  صريح الآية الكريمة التي تقول: (يأيها  الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم  سكارى حتى تعلموا ما تقولون )، وذلك  غير جائز لأن حكم الخمر قد انتهى  بآية تالية تقول: ( إنما الخمر والميسر  والأنصاب والأزلام رجس من عمل  الشيطان فاجتنبوه )، وبالتالي أصبحت الخمر  محرمة على المسلمين في جميع  صورها إعمالا بصريح هذه الآية وما الآية التي  تقدمتها إلا حكم مرحلي قد  انتهى مجال تطبيقه، وكذلك الشأن في حق ولي الدم  في القتل أصبح حكما  تاريخيا يعكس مرحلة من تطور المجتمع الاسلامي ولا يعد  أمام المسلمين إلا  سلوك سبيل الادعاء العام من جانب ولي الأمر باسم المجتمع  لإنزال العقاب  على الجناة بموجب حكم يصدر من السلطة القضائية ويبقى دائما  لولي الدم الحق  في الدية في جرائم القصاص وهي مجال اختصاصي بعيدا عن الحق  العام والقصاص  مأخوذ من ( القص) الأثر وهو اتباعه ومنه (القاص ) لأنه يتبع  الآثار  والأخبار فكأن القاتل سلك سبيل المقتول قص أثره فيها ومشى في سبيله  ومنه  قوله تعالى: (فارتدا على آثرهما قصصا )، وقيل ( القص ) هو القطع يقال  قصصت  ما بينهما أي قطعت وإذا ما استقر في الأذهان حق ولي الأمر بالقيام  بدور  المدعي العام حيث السعي في توقيع العقاب على الجاني من جانب القضاء  فيما  يسمى بمباشرة الحق العام فإن المرحلة التالية هي أن يعهد ولي الأمر  لمن  يختاره بالقيام بهذا الدور نيابة عنه بسبب الأعباء الثقال التي يباشرها   ولي الأمر في هذا الزمان سواء في المجال الداخلي أو الخارجي . والشخص الذي   يعهد ولي الأمر بمباشرة الحق العام في المجال الجنائي هو الذي يعرف باسم   المدعي العام أو النائب العام .
رابعا : إن الآية الكريمة التي تقول : (  ولكم في القصاص حياة يا أولي  الألباب )، تدل بصريح نصها وفحوى دلالتها  على أن أمر العقاب يوقع على  الجاني لا يوجه استجابة لمصلحة المجني عليه بل  إنه يوجه لصالح جماعة  المسلمين، حيث أنه بموجب القصاص الذي يوقع على  الجاني تستفيد منه الجماعة  وبالتالي فهو يوقع لحسابها وإلى هذا ألمح النص  القرآني بالقول: (ولكم في  القصاص حياة )، أي أن حياة  الأفراد في المجتمع  هي التي تستفيد من وراء  القصاص حيث لا يقع عدوان عليها أو يمسها عاد أو  جان إلا كان جزاؤه مثلما  فعل فينتهي عما اعتزل من مساس بحق الحياة لأي من  أفراد مجتمعه، وبما أن  مصلحة العقاب تعود إلى الجماعة فإنه يكون من  الطبيعي أن تطالب الجماعة  بتوقيعه على من يخترق شرع الله فيه وما الادعاء  العام إلا هذه الصورة ويقوم  ولي الأمر أو من يمثله بهذه المهمة دفاعا عن  مصلحة المجتمع وحماية شرع  الله فيه . وإذا تأملنا الجزاء المقرر في القتل  الخطأ وهو الدية والكفارة  فإننا نجد أن الدية تعود إلى ولي الدم تعويضا عن  خسارته في فقد المجني عليه  ولكن الكفارة لا ينال منها شيئا ولكنها حق للمجتمع لا يستفيد منها إلا  المجتمع الذي يضاف إليه حق  جديد بتعويض ما فقدته الجماعة من خسارة لفقد  المجني عليه الأمر الذي يؤكد  أن العقاب يوقع على الجناة لصالح الجماعة أصلا  وللمضرور تبعا وهو يقتضى أن  يكون للمجتمع حق في طلب العقوبة على الجناة  بعيدا عن المجني عليهم أو  أفراد المجتمع وما ذلك إلا الادعاء العام الذي  يباشره ولي الأمر أو من  ينوب عنه لصالح الجماعة وحماية لشرع الله فيها .
خامسا: تروي سنة رسول  الله صلى الله عليه وسلم أن يهوديا في المدينة قتل  إمرأة وسرق مالها وأخذه  القوم إلى رسول الله فسأله فاعترف بجريمته فأمر  رسول الله صلى الله عليه  وسلم بقتله على الصورة التي قتل بها الفتاة ولم  ينتظر طلبا من أولياء الدم  لأن الأمر لم يعد بيدهم وحدّهم بل للجماعة أولا  ولهم ثانيا حيث لم يعد في  مكنة ولي الأمر وهو المنوط به حفظ الأرواح  والحقوق أن يتربص لحين التحرك  من جانب أولياء الدم وقد لا يتحركون إطلاقا  لاعتبارات تخصهم فتفسد حياة  الجماعة ويضطرب نظامها وأمنها وأمن ومصالح  الأفراد فيها . ولا يغير ذلك من  حق أولياء الدم في المطالبة إذا شاؤوا  باعتباره حقا ماليا يطالبون به من  تركة المحكوم عليه مادام للجماعة حق  مستقل عن حقهم يطالب به ولي الأمر عن  جماعة المسلمين مهما كانت اتجاهاتهم  في شأن المطالبة بحقوقهم المالية . و  واضح من الحديث أن رسول الله صلى الله  عليه وسلم ، جمع بين سلطة الادعاء  العام وقاضي الحكم وذلك راجع لخصوصية  الرسول صلى الله عليه وسلم،  ولعدم  الشك في الواقعة وللتسليم بجزئياتها،  ولكن ذلك لا ينفي قيام الادعاء العام  ممثلا في شخص الرسول صلى الله عليه  وسلم عندما واجه اليهودي بجريرته وإذ  أقر الجاني بها أوقع عليه العقاب بعد  ما ثبت بموجب القصاص منه وقيام الحق  العام بعيدا عن ولي الدم .
سادسا : وهي حجة منطقية وواقعية إذ لو  تصورنا أن أمر العقاب الجنائي مرجعه  إلى المجني عليه أو أفراد المجتمع هم  كثيرا ما ينكلون عن أداء هذا الواجب  لاعتبارات تخصهم من خوف وأمل ورجاء  وإشفاق على أنفسهم من المكابدة في  داواوين الحكومة فكيف يكون أمر المجتمع  وليست فيه سلطة تطلب العقاب وتتخذ  الإجراءات ضد الجناة ؟ لا شك أن  المجتمعات لا محال تضطرب وتفسد ويستطيع كل  شخص أن يفعل ما يشاء أمنا من  المحاكمة أو حتى من المساءلة .وليس أخطر على  المجتمع من قيام سلطة فيه غير  قادرة على حمايته وحماية الأفراد فيه وحماية  مصالحهم في ربوعه ، إن ذلك  يساوي عدم وجود ولي الأمر وكما نعلم فإن نصب ولي  الأمر واجب وإقامته عبادة  وتمكينه من أداء دوره شريعة مسلم بها ، وذلك  لتحقيق غايات الجماعة  وبدونها لا تقوم ولا تحفظ فيها الأرواح والحقوق إذا  يكون من مصلحة الجماعة  تمكين ولي الأمر من أداء دوره في حمايتها وحماية  حقوق الأفراد فيها وذلك  لا يتأتى إلا بإمكان ممارسة حق الادعاء ضد كل من  ينتهك محارم المجتمع ,  يعتدي على حق من حقوقه أو يمس مصالح العباد فيه سواء  كان ذلك بمعرفة ولي  الأمر ذاته أو عن طريق ممثله في القيام بمهام الادعاء  العام ومطالبة بالحق  العام، مما تقدم يتضح بجلاء أن الشريعة الاسلامية تقوم  بالأخذ بفكرة  الادعاء العام الذي يقوم بدوره على فكرة أساسية خلاصتها أن  الجريمة عندما  تقع في المجتمع الاسلامي لا تصيب المجني عليه وحده وإنما  تصيب المجتمع كله  وهذا هو المعمول به في المملكة العربية السعودية ، وما  الإدعاء العام إلا  رد الفعل الجماعي ضد الجريمة والمجرم باسم المجتمع  لحمايته والدفاع عن  شريعة الله فيه.
سابعاًٍ: إن كان الفقه الإسلامي يوجب التحقيق في  الدعوى، ولكنه لا يجعله  منفصلا عن مرحلة الحكم، إلا أنه لا يمنع من وجود  مرحلة تحقيق ابتدائي  مستقلة تتولاها النيابة العامة كجهة مستقلة عن جهة  الحكم، وذلك لكون تنظيم  هيئة النيابة العمومية وهي من التنظيمات الحديثة  لم يرد في الشرع ما  يعتبرها ولم يرد فيه ما يلغيها فيكون القول بها من باب  المصالح المرسلة،  فإذا تبين أن العمل بها يحقق مصلحة الأمة في تحقيق  العدالة الجنائية جاز  العمل بها، بل لا نبعد عن مبادىء الشرع إن قلنا أن  العمل بها واجب في هذه  الحالة، لأن الله تعالى أمر بالعدل في آيات كثيرة  ومنها قوله عزوجل : " إن  الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا  حكمتم بين الناس أن تحكموا  بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان  سميعاً بصيراً ".
وهو ما أكده ابن القيم - رحمة الله: " يتضح أن الهدف  العام من التشريع  الإسلامي هو إقامة العدل، لكن الإجراءات التي تتبع  لتحقيق هذا الهدف تخضع  في شرعيتها مما تحققه من مصلحة عامة تؤدي إلى تحقيق  العدالة، فإذا كانت  الإجراءات على هذا النحو، فهي من الدين، ومن ثم فهي  مشروعه بل وواجبه " هذا  من ناحية، ومن ناحية ثانية أنه من المبادىء  المقررة في الفقه الإسلامي أن  ولي الأمر له حق تخصيص وتقييد القضاء، سواء  بنوع القضية، أو المكان، أو  الزمان، وهذا الحق مقيد بما تقرر سابقاً من  وجوب تحقيق المصلحة في كل ما  يؤدي إلى تحقيق العدل. وعلى ذلك: من حق ولي  الأمر أن ينشىء مرحلة خاصة  بالتحقيق الإبتدائي تتولاها النيابة الامة. ومن  ناحية ثالثه، إن المتتبع  لتاريخ النظام القضائي المطبق عبر عصور الدولة  الإسلامية يلحظ أن هذا  النظام طرأ عليه التغير اكثر من مرة، واستحدثت  أنظمة قضائية لم تكن موجودة  من قبل دعت اليها الحاجة، بل إن النظام  القضائي قد يختلف من بلد لآخر، فقد  يكون في بلاد الأندلس أنظمة قضائية لا  توجد في غيرها من البلاد والعكس. ثم  إن المتتبع  لإختصاصات النظام القضائي  يجدها هي الأخرى لم تكن ثابتة على  وضع معين، فتارة تنزع الإختصاصات  القضائية لتسند إلى جهة أخرى، ويسند إلى  القضاء أعمال لم تكن داخله في  اختصاصه بحسب الأصل، كل ذلك كان تبعاً للحاجة  والتطور الإجتماعي  والإقتصادي والسياسي للدولة الإسلامية. وقد عبر ابن  خلدون عن هذا المعنى  بقوله: " إن التهم التي تعرض في الجرائم لا نظر للشرع  إلا في استيفاء  حدودها، وللسياسة النظر في استيفاء موجباتها ".
وعليه فإن إيجاد هذه  الأنظمة وتحديد اختصاصاتها يدخل في باب السياسة  الشرعية التي عمادها تحقيق  المصلحة والتي يتوخاها ولى الأمر في كل امر لا  نص فيه. ولذا فإن مبادىء  الفقه الإسلامي وقواعده العامة لا تمنع من إيجاد  مرحلة خاصة بالتحقيق  الإبتدائي تتولاها النيابة العامة منفصلة عن قضاء  الحكم فكل ذلك منوط  بالمصلحة، ولا شك أن التقدم العلمي في أسلوب ارتكاب  الجريمة جعل المجرم  يتحوط كثيراً في نفي التهمة عنه، لهذا من الأجدر أن تمر  التهمة بمرحلتين،  التحقيق الإبتدائي، والتحقيق النهائي، لكي لا يدان برىء  ولا يفلت مجرم من  العقاب.
ولذانقول: إن دولة الاسلام قد مارست الإدعاء العام منذ فجر  الاسلام وأنها  لم تنشأ له هياكل يمارس منها دوره ولكنه كان مطبقا بالفعل  ثم حدث عندما  قامت الدولة باسطة نفوذها على جميع التراب الوطني واتحد  الناس بعد التفرق  وقامت السلطة في المجتمع بعد انقسامها أن شعر ولي الأمر  عندئذ بضرورة  الدفاع عن الحق العام وأقام له مؤولا نيابة عن ولي الأمر.