الصفحة الرئيسية

تشريعات وقوانين

مشاريع قوانين
المعاهدات الدولية
مقالات ودراسات قانونية
أخبار قانونية
مناقشة مشاريع تخرج
الثقافة القانونية
Translated
Research and Studies
مكتبة الميديا

السيرة الذاتية

رسالة الدكتوراه
مواقع ذات صلة
اتصل بنا



 

 الصفحة الرئيسية »  مقالات ودراسات قانونية

استجواب المتهم وسماع الشهود في الدعوى الجزائية بين النظرية والتطبيق

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

استجواب المتهم وسماع الشهود
في
الدعوى الجزائية
بين النظرية والتطبيق
(دراسة مقارنة)

الباحث:
أحمد محمد برّاك
رئيس النيابة العامة
2007

 


 
تمهيد وتقسيم:
 سوف  نتناول البحث في موضوعي استجواب المتهم وسماع الشهود في الدعوى  الجزائية  بين النظرية والتطبيق دراسة مقارنة بين القانون الفلسطيني وغيره  من  القوانين، وخاصة العربية موضحين إشكالية بعض النصوص في التطبيق العملي،   وعليه بمشيئة الله سوف نقسم هذه الدراسة إلى فصلين تاليين:
الفصل الأول: استجواب المتهم.
الفصل الثاني: سماع الشهود.


 
الفصل الأول
استجواب المتهم
تمهيد وتقسيم:


 سنتناول بمشيئة الله في هذا الفصل بحث ماهية  الاستجواب، والطبيعة  القانونية للاستجواب، ومفهوم الاستجواب من حيث الشكل  والضمانات، وبطلان  الاستجواب، وذلك على النحو التالي:
المبحث الأول
ماهية الاستجواب Interrogation
1) مفهوم الاستجواب:
 لقد انفرد القانون الفلسطيني من بين القوانين العربية بتعريف الاستجواب  في  المادة 94 بالقول "الاستجواب هو مناقشة المتهم بصورة تفصيلية بشأن  الأفعال  المنسوبة إليه ومواجهته بالاستفسارات والأسئلة والشبهات عن  التهمة  ومطالبته بالإجابة عليها". فهو إجراء من إجراءات التحقيق بمقتضاه  يتثبت  المحقق من شخصية المتهم ويناقشه في التهمة المنسوبة إليه على وجه  مفصل في  الأدلة القائمة في الدعوى إثباتاً ونفياً. فلا يتحقق الاستجواب  بمجرد سؤال  المتهم عما هو منسوب إليه أو إحاطته علماً بنتائج التحقيق إذا  لم يتضمن ذلك  مناقشته تفصيلياً في الأدلة المسندة إليه. وعرفته محكمة  النقض المصرية  بأنه "مجابهة المتهم بالأدلة المختلفة قبله ومناقشته مناقشة  تفصيلية كي  يفندها إن كان منكراً للتهمة أو معترفاً بها إذا شاء  الاعتراف. وعرفته كذلك  بأنه مناقشة المتهم تفصيلية في أمور التهمة  وظروفها، ومجابهته بما قام  عليه من الأدلة ومناقشته في أجوبته مناقشة  يُراد بها استخلاص الحقيقة التي  يكون كاتماً لها.
2) التمييز بين الاستجواب وسؤال المتهم (الحضور لأوّل مرّة):
 ومن أجل ذلك يختلف الاستجواب عن سؤال المتهم في محضر جمع الاستدلالات   بمعرفة مأمور الضبط فالإجراء الذي يقوم به مأمور الضبط هو مجرد سماع أقوال   المتهم بالنسبة للتهمة المنسوبة إليه دون تفصيل ودون تحقيق لدفاعه، ولذلك   فإن المشرّع لم يحط سماع الأقوال بمحضر جمع الاستدلالات بذات الضمانات  التي  أحاط بها الاستجواب كإجراء تحقيق تقوم به سلطة التحقيق.
 وسؤال  المتهم عن التهمة كما تملكه الضابطة العدلية على مقتضى المادة 100/ب  من  قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني والمادة 27 من قانون الإجراءات   الجزائية رقم 3 لسنة 2001 فلسطيني والمادة 31 من قانون الإجراءات الجنائية   المصري رقم 50 لسنة 1950، يملكه عضو النيابة على مقتضى نص المادة 63 من   قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني والمادة 96/1 من القانون الفلسطيني   والمادة 123 من قانون الإجراءات المصري، وسبب اختصاص كل من النيابة  العامة  والضابطة العدلية في توجيه السؤال إلى المتهم عن التهمة لأنه من  إجراءات  الاستدلال لا التحقيق شأنه في ذلك شأن الإجراءات الأخرى التي تقوم  بها  الضابطة العدلية دون تحليف اليمين. فإذا مثل المتهم أمام المحقق تعين  عليه  أن يسأله عن اسمه ويثبت شخصيته، ويجب بقدر الإمكان أن يكون الاسم  رباعيا  دفعاً لأي لبس وقد تعرض الصورة التي يرفض فيها المتهم الإدلاء  باسمه  وحينئذٍ إن كان من بين الأوراق ما يكشف عن الاسم فإنه يواجهه وتثبت  إجابته  أو امتناعه. لا يمنع هذا من السير في الإجراءات اكتفاءً بما يرد في  المحضر  عن شخصية المتهم بالوصف والمميزات التي يحددها على من تعرض له على  أن  المتهم قد يذكر اسماً غير اسمه الحقيقي وحينئذٍ قد يكون اسماً وهميّاً  أو  اسماً لشخص آخر، ففي الحالة الأولى -الاسم الوهمي- أن يسير في التحقيق  حيث  لا يشكل الفعل جريمة تأسيساً على أن حق المتهم في الدفاع يجيز له  إخفاء  شخصيته بكل سبيل. أما حين يوجد احتمال تشكيل الأمر لجريمة تزوير  -كما في  الصورة الثانية- فإن على المحقق أن يفرد محضراً خاصّاً بهذه  الواقعة حتى لا  يضيع تسلسل التحقيق بالنسبة للواقعة الأصلية. وإثبات شخصية  المتهم تتضمن  أمرين، الأول إثبات المعلومات المحددة له الخاصة به أي سنه  وصنعته ومحل  ميلاده ومحل إقامته واسمه وشهرته حتى يمكن التعرف عليه ويكون  هذا بالقدر  المتيسر للمحقق ما دام يوصل إلى تحديد شخصية المتهم. والأمر  الآخر هو إثبات  الحالة التي عليها المتهم -وهو ما يشبه المعاينة- وذلك  بوصف إجمالي لهيئته  وما فيها من علامات أو آثار ظاهرة ثم بيان لملابس  المتهم وما بها من آثار  أو عدم وجود أية آثار، وذلك وفقاً لأهمية هذا  الأمر حسب اختلاف أنواع  الحوادث وإذا دعا الحال يجري فحص جسم المتهم كذلك  لاحتمال وجود آثار به  تفيد في تعرف حقيقة الحادث مثلاً في قضايا المشاجرات  أو القتل وحالات  الدفاع الشرعي وهكذا ويستتبع ما تقدم في غالب الأحوال  تفتيش المتهم وإثبات  ما قد يوجد معه في محضر التحقيق، فقد تسفر دقة  التفتيش بمعرفة المحقق ولو  من بعد تفتيش مأمور الضبط القضائي عن وجود آثار  بملابس أو يضبط معه ما يثبت  أو ينفي صلته بالجريمة.
 وقد أوجب بذلك  القانون على المحقق أيضاً عند حضوره لأول مرة بعد التثبت من  شخصيته أن  يحيطه علماً بالتهمة منبهاً إيّاه بأن من حقّه الاستعانة  بمُحامٍ، وأن كل  ما يقوله يجوز تقديمه كدليل ضده في معرض البينة عند  محاكمته، المادة 196  إجراءات فلسطيني، فهذه المادة لا تتعلق بالاستجواب  وإنما تتعلق بسؤال  المتهم عن التهمة، وغالباً ما يكون مقدمة للاستجواب  وجزءاً لا يتجزّأ منه  عندما يتم من قبل عضو النيابة الذي يتولى التحقيق في  القضية. ويجب أن يحاط  المتهم علماً بسلطة المُحقق وهل هو من مأموري الضبط  القضائي أو من أعضاء  النيابة العامة، صحيح أنه لا يترتب على إغفال هذه  الإحاطة البطلان، ولكنه  قد يؤثر في اقتناع المحكمة بحالة المتهم عند إبداء  أقواله ومدى هدوء روعه  وبعثه في حياد المحقق.
 وتبدو أهمية السؤال في أنه قد يؤدي إلى توجيه  المحقق بطريق من اثنين وفقاً  لإنكار المتهم ما أسند إليه أو اعترافه به،  ولا يعني هذا أن الأمر يقتصر  على مجرد سؤال واحد، فقد تتعدد الأسئلة على  أن الأمل لا يصل إلى مناقشة  المتهم تفصيلاً في الأدلة القائمة في الدعوى،  إذ يُعد هذا حينئذٍ استجواباً  فإن أنكر المتهم ما أسند إليه سار المحقق في  إجراءات التحقيق مع العناية  بإثبات دفاع المتهم إن أبداه وإثبات أسماء  الشهود الذين يستند عليهم في نفي  الاتهام لأن الأقوال الأولى التي تبدى في  هذه المرحلة تكون ذات أثر كبير  في تكوين المحكمة لرأيها في الدعوى إذا  طرحت عليها. أما إذا اعترف المتهم  بالجريمة المسندة إليه فإنه يتعين على  المحقق أن يبادر إلى استجوابه وذلك  خشية أن يؤدي التريث في مباشرة هذا  الإجراء إلى عدول المتهم عن اعترافه،  وهذا يتضح بأن المشرّع لم يرتب على  سؤال المتهم الآثار القانونية التي  رتبها على الاستجواب والحبس الاحتياطي  مثلاً لا يجوز الأمر به إلا بعد  استجواب المتهم بمعرفة سلطة التحقيق ولا  يجوز الأمر به بناءً على سماع  الأقوال بمحضر الاستدلالات. كما أن وصف  التهمة وتحديد عناصرها يتوقف على ما  توجهه سلطة التحقيق للمتهم وتحقيق  دفاعه بالنسبة لها على عكس الحال  بالنسبة لمحضر الاستدلالات الذي يسمح فيه  مأمور الضبط أقوال المتهم. فوصف  التهمة إنما تتولاه النيابة العامة بناءً  على تكييفها للوقائع الواردة  بالمحضر وليست بناءً على ما ووُجِهَ به  المُتّهم من قِبل مأمور الضبط.
3) مفهوم المواجهة confrontation وعلاقتها بالاستجواب وعرض المتهم:
 قد يستتبع الاستجواب إجراء آخر وثيق الصلة به، وهو المواجهة، أي الجمع  بين  متهم ومتهم آخر أو بين شاهد إثبات والمتهم إثبات لكي يدلي كل منهما   بأقواله أمام الآخر. وقد نص القانون الفلسطيني في المادة 84 منه على إجراء   المواجهة بالقول "لوكيل النيابة مواجهة الشهود بعضهم البعض ومواجهتهم   بالمتهم إذا اقتضى الأمر ذلك". ويلاحظ على هذا النص أنه لم ينص على مواجهة   المتهمين بعضهم ببعض على عكس النص المادة 124 من قانون الإجراءات  الجنائية  المصري "أن يواجهه بغيره من المتهمين أو الشهود..... وبالإطلاع  أيضاً إلى  القانون الأردني نجده خالٍ من النص على المواجهة إلا نص حديثاً  في التعديل  الذي تم في عام 2001 حيث نص في المادة 70 من قانون الأصول  الجزائية على أن  "للمدعي العام مواجهة الشهود بعضهم ببعض إذا اقتضى  التحقيق"، وإنني أتّفق  تماماً مع الرأي القائل أنه لا يوجد مانع من إجرائه  بكافة صوره ما دام أن  إجراءات التحقيق قد وردت على سبيل المثال لا الحصر،  شريطة أن يتفق مع  القانون نصه وروحه. وبذلك يلاحظ الصلة الوثيقة بين  الاستجواب والمواجهة  فيغلب أن يعقب الاستجواب المواجهة التي تكون وسيلة  إلى تحري صحة أقوال  المتهم، وهذه المواجهة الشخصية تختلف عن المواجهة  القولية التي يواجه  المحقق المتهم بما أدلى به شاهد أو متهم آخر بالتحقيق،  وبذلك تعتبر جزءاً  مكملاً للاستجواب باعتبار أن الاستجواب يتضمن مواجهة  المتهم بأدلة الثبوت  ضدّه.
 وهذا فإن مجرد حضور متهم أقوال متهم آخر  غيره أو شاهد في التشريعات التي  تسمح بذلك مثل القانون المصري المادة 77  إجراءات، وذلك على عكس القانون  الفلسطيني والأردني لا يعد مواجهة حتى ولو  سأله المدعي العام إذا كانت  ملاحظات على أقوال أيهما ما دام ذلك في حدود  الاستفهام الإجمالي ودون ما  استرسال في المجابهة بالأدلة ومناقشة فيها  وإلا لأصبح الأمر استجواباً  صريحاً. ونظراً لأن مواجهة المتهم بغيره من  المتهمين أو الشهود هي مواجهة  بأدلة الثبوت فهي بذلك تأخذ حكم الاستجواب،  ولذلك أطلق عليها البعض  بالاستجواب الحكمي. ولخطورة المواجهة فقد أحاطها  المشرّع بذات الضمانات  التي أحاط الاستجواب بها، وقد قررت محكمة النقض  المصرية امتداد ضمانات  الاستجواب إلى المواجهة بالنسبة لضرورة حضور محامي  المتهم، ولذلك فهي  محظورة على مأمور الضبط القضائي. ولكن عدم مواجهة  المتهم بغيره من المتهمين  أو الشهود لا يترتب عليه البطلان فإن الأمر  جوازي لسلطة التحقيق ولا يعتبر  من قبيل المواجهة عملية عرض المتهم على  الشهود للتعرف parade.
المبحث الثاني
الطبيعة القانونية للاستجواب
 الاستجواب هو عمل من أعمال التحقيق بل إنه يعتبر من أخطر إجراءات  التحقيق  الابتدائية وأهمها، لأنه قد يفضي إلى اعتراف المتهم، ولذلك لا  يكون إلا  إجراء تحقيق ولا يمكن أن يكون إجراء استدلال في أية صورة، ويبطل  إذا أجراه  مأمور ضبط قضائي، ولذلك ذهب البعض إلى أن الاستجواب رهن بمشيئة  المتهم،  ولكن القانون سواءً المصري المادة 131 أ.ج والفلسطيني المادة 105  والأردني  المادة 112/1 في حالة القبض على المتهم يجب استجوابه في خلال 24  ساعة بل  ويقع الحبس الاحتياطي باطلاً إذا لم يسبقه استجواب (المادة 134/1  أ.ج مصري  والمادة 108 فلسطيني والمادة 114 الأردن المعد بموجب القانون رقم  16 لسنة  2001). ولكن هذا لا يمنع سلطة التحقيق من ندب مأمور الضبط  القضائي بالقيام  بالاستجواب في الجُنح دون الجنايات في القانون الفلسطيني  المادة 55/2  إجراءات وبذلك نجد في القانون الفلسطيني تشدد محمود في  الجنايات وإن كان  القانون المصري مثل نظيره الفرنسي قد قصر إجراءات  الاستجواب فقط على سلطة  التحقيق المادة 152 فرنسي والمادة 70/1 مصري  والمادة 48 أصول جزائية أردني  إلا أن التشريعات ذاتها سرعان ما أوردت بعض  الاستثناءات على المبدأ السابق  من شأنها إضعاف هذه الضمانة، حيث عادت  وأجازت لمأمور الضبط القضائي القيام  بمهمة الاستجواب متصلاً بالعمل المسند  له ولازماً لكشف الحقيقة، المادة  71/2 مصري، وبالفعل فإنني أؤيد بحق  الاتجاه الذي يتبنى إلغاء هذا الحق  لأعضاء الضابطة العدلية ضماناً لحق  المتهم في الدفاع أمام القضاء، وقصر فقط  على سماع المتهم وإحالته إلى سلطة  التحقيق لاستجوابه، علماً بأنه إذا باشر  مأمور الضبط القضائي الاستجواب  في الحالات التي يخشى منها فوات الوقت فلا  يتقيد الاستجواب بالشكليات  والضمانات التي يوجب القانون على المحقق  مراعاتها عند قيامه بها. وبذلك  يتجه الرأي الغالب في الفقه إلى أن  الاستجواب وفقاً للقوانين الإجرائية  المقارنة له طبيعة مختلطة في مرحلة  التحقيق الابتدائي فيجمع بين كونه  وسيلة إثبات ودفاع في ذات الوقت وتتمثل  في أهمية الاستجواب في طبيعته  المزدوجة وذلك من حيث إنه إجراء اتهام ودفاع  في وقت واحد فهو إجراء اتهام  يستهدف منه جمع الأدلة بشأن الجريمة الواقعة  ونسبتها إلى المتهم، وذلك من  مصدرها الأساسي وهو المتهم بارتكاب الجريمة.  فالاستجواب التفصيلي يتفق وطبيعة النظام التنقيبي في التشريعات  ذات الأصل  اللاتيني في مرحلة التحقيق الابتدائي أو يعد الاستجواب في هذا  النظام  إجراءً ضرورياً للحصول على اعتراف من المتهم، ولذلك فقد اهتم هذا  النظام  برسم الطريق الموصل للاعتراف فأجاز أخذه من المتهم بطريق  الاستجواب.
 وهذا على عكس ما عليه الحال في القانون الأنجلوأمريكي الذي  يأخذ بالنظام  الاتهامي حيث يرفض أن يكون الاستجواب طريقاً موصلاً  للاعتراف، فلا يقبل هذا  النظام الاعتراف إلا إذا كان تلقائيّاً.
 كما  يعد الاستجواب من جهة أخرى إجراء دفاع إذ يساعد على استجلاء الحقيقة  وذلك  بإتاحة الفرصة للمتهم ليفند ما أحاط به من الشبهات وإثبات براءته،   وبالتالي الوصول إلى الفاعل الحقيقي. وهذا فإن الاستجواب يجري مع متهم هو   مَن توافرت ضده أدلة وقرائن قوية كافية لتوجيه الاتهام إليه وتحريك الدعوى   الجنائية قبله، وقد انفرد القانون الفلسطيني على عكس القانون المصري  بتعريف  المتهم، وذلك في المادة 8 إجراءات بأنه "كل شخص تقام عليه دعوى  جزائية  يسمى متهماً. هذا والاستجواب ممنوع في التحقيق النهائي -الذي  تجريه  المحكمة- ما لم يقبل المتهم أن يستجوب المادة 274 مصري والمادة 258  إجراءات  فلسطيني، وذلك لأن مرحلة المحاكمة هي المرحلة الأخيرة في الدعوى  الجنائية  وتوجب تمكين المتهم من الحرية الكاملة في الإدلاء بما يشاء من  أقوال دون  دفعه إلى ذلك مضطراً فينزلق إلى قول ما ليس في صالحه، ويسفر هذا  عن دليل  إدانته اقتضى الأمر تصريح استجوابه أمام المحكمة. ولكن توجيه بعض  الأسئلة  من المحكمة إلى المتهم للاستفسار عن بعض نقاط متعلقة بأدلة  الثبوت فجائزة،  وهو ما يطلق عليه الاستيضاح. هذا مع العلم بأن قانون  الإجراءات الفرنسي في  المواد 237 يسمح باستجواب المتهم باعتباره حق من  حقوق الدفاع.
المبحث الثالث
مضمـون الاسـتجواب
 إن أهم ما  يتميز به هذا الإجراء أنه يتضمن مناقشة تفصيلية مع المتهم  ومواجهته  بالأدلة القائمة ضده في الدعوى، أي أن موضعه يتمثل في أسئلة  المحقق وأجوبة  من المتهم في شكل المحادثة بين الطرفين، فالمناقشة التفصيلية  تكون العنصر  الجوهري الذي ينفرد به الاستجواب عن باقي إجراءات جمع الأدلة.
 وعلى  هذا فالاستجواب يجب أن يتضمن عنصرين جوهرين حتى يمكن الاعتراف بوجوده  وهما  المناقشة التفصيلية والمواجهة بالأدلة، فإذا تخلف أحدهما أنها ركن  هام  ,أصبح إجراء آخر لا يتمتع بالشكليات أو الضمانات. مع ملاحظة أن صمت  المتهم  وعدم الرد على الأسئلة أو الأدلة التي توجه إليه أو يمتنع عن  مناقشتها لا  يؤثر على صحة قيام الاستجواب من الناحية القانونية، ويكون في  حكم  الاستجواب المواجهة وإعادة تمثيل الجريمة بمعرفة المتهم وادلائه  بمعلوماته  أثناء ذلك وأخذه لمكان الحادث لحضور معاينة وتعليقه عليها وعرض  الأشياء  المضبوطة عليه للتأكد من حقيقتها سماع ملاحظته عليها وتعرف الشهود  عليه،  كل هذه الإجراءات تعتبر من قبيل الاستجواب، وعليه فسوف نبحث كلاً من  شكل  الاستجواب وضمانات الاستجواب كلاً في مطلب مستقل.

المطلب الأول
شكل الاستجواب
 لم يحدد القانون شكلاً معيناً للاستجواب وترك ذلك لتقدير المحقق والقضاء واجتهاد الفقهاء.
أ- شفوية الاستجواب:
 يجري الاستجواب شفاهة بالنسبة لأسئلة المحقق والإجابات التي يدلي بها   المتهم فلا يجوز للمحقق أن يوجه للمتهم أسئلة مكتوبة أو يعرض عليه شيئاً   دون أن يطلب منه التوضيحات شفاهة فليس للمتهم الحق في أن يطلع على مذكرات   أو مستندات تقرأ منها الأقوال التي يدعي بها لأن إجابته تكون من ذاكرته   والاستجواب يتم باللغة الرسمية للدولة، وإذا كان المتهم أجنبياً ويجهل   اللغة يعين له مترجماً لكي يساعده على فهم الاتهامات وينقل إجابته ويتعين   حلف المترجم اليمين ولا يجب أن يكون المترجم من شهود الدعوى كما لا يجوز   للمحقق أن يقوم بهذه المهمة حتى يتفرع لعمله، وهناك مَن يرى بأنه باستطاعة   النيابة العامة التحقيق مع الأصم والأبكم طالما كانت تدرك معاني  الإشارات،  وإن هذا خاضع لرقابة محكمة الموضوع، وإني أرى عكس ذلك بأنه يجب  تعيين خبير  لأن المتهم في استطاعته الطعن في أن ما أفهمته النيابة له  مخالف مما أراده  من إنكار التهمة المسندة إليه.
ب- محضر الاستجواب:
 لا يوجد في القانون نصوص خاصّة بالقواعد الواجب مراعاتها في تدوين محضر الاستجواب، ولكن يجب أن يشتمل بعض البيانات منها:
- التاريخ: فهو عنصر هام لاستجواب ومساعد على إثبات أن الشكليات الخاصة   بالاستجواب قد اتخذت في الميعاد ويجب أن يذكر اليوم والشهر والسنة وأن  تحدد  الساعة.
- الديباجة: يجب أن يشتمل المحضر على اسم وصفة واختصاص المحقق.
- مضمون المحضر: يدون جميع الملاحظات الخاصة بالمتهم ووصفه وملابسه  والإصابات والآثار التي به واسم المتهم رباعياً وحقوقه القانونية.
- التوقيعات: يجب أن يشتمل المحضر توقيع المحقق والكاتب والمتهم، فإذا رفض الأخير يجب أن تكتب بملاحظة.
 فالمحضر يجب أن يكون كافياً بذاته في تأكيد أن جميع الإجراءات والشكليات   الخاصة بالاستجواب قد استوفيت على الوجه القانوني المطلوب ومع ذلك يظل   خاضعاً لتقدير المحكمة المختصة دون رقابة من محكمة النقض.
ج- ميعاد الاستجواب:
 لم يقيد المشرّع سلطة التحقيق بإجراء الاستجواب في وقت معين، وذلك  كقاعدة  عامة، وللمحقق سلطة تقديرية فقد يؤخر الاستجواب لبعض الوقت إذا ما  رأى  مصلحة في ذلك، مثل أن يتمكن من جمع الأدلّة وكشف مستندات معينة، حتى  وإن  كان ظاهر النص في المادة 107/2 أن يستجوب وكيل النيابة المتهم  المطلوب  بمذكرة حضور في الحال، على أنه في حالة اعتراف المتهم بالتهمة  المنسوبة  إليه شفوياً عنها فإنه يستحسن استجوابه فوراً وقبل أي شخص آخر،  وفي حالة  الإنكار يفضل استجوابه بعد جمع أدلة الثبوت الأخرى لمواجهته بما  أسفرت عنه،  ويجوز إعادة استجواب المتهم أكثر من مرة أثناء التحقيق.
 ولكن هناك قيد على سلطة التحقيق في الميعاد، وهي حالة المقبوض عليه، حيث   يجب استجوابه فوراً إذا تعذر فيلزم أن يتم ذلك خلال أربع وعشرين ساعة على   الأكثر، المادة 34 و107/2 فلسطيني، المادة 131 مصري، المادة 112/1 أردني.
المطلب الثاني
ضمانـات الاسـتجواب
 نظراً لأهمية الاستجواب سواءً بالنسبة لسلطة التحقيق أو بالنسبة للمتهم،   فقد روعي في إجرائه وجوب توافر ضمانات معينة، ومن أجل هذا الاعتبار فقد  نصّ  المشرّع على الضمانات التالية:
أولاً- ضمان الجهة المختصة بالاستجواب:
 وهي ضمانة إجرائية هامة، فهناك من الأنظمة الإجرائية ولتحقيق أكبر قدر  من  الحيادية والاستقلال بين سلطتي الاتهام والتحقيق يخضع التحقيق لقاضٍ  مختصّ  يسمى قاضي التحقيق، مثل النظام الفرنسي أو مختلط من النظام المصري،  وهناك  مَن، يضم سلطتي التحقيق والاتّهام معاً تحقيقاً لفاعلية الإجراءات  والسرعة  مثل النظام الفلسطيني والأردني، ولكن بالطبع وضمانة أخرى أنه  كقاعدة عامة  لا يجوز التحقيق إلا من سلطة التحقيق نفسهاً، ولا يجوز لمأمور  الضبط  القضائي القيام باستجواب، مع الملاحظة حالة الاستثناء في القانون  المصري  والندب في حالة القانون الفلسطيني ففي الجُنح فقط في المادة 55/2  إجراءات.

ثانياً- كفالة حق المتهم في أن يدلي بأقواله في حرية:
 كفل المشرّع الضمانات للمتهم كي يدلي بأقواله في الاستجواب بحرية تامة دون خضوعه لأي تأثير على إرادته مهما قلّ شأن هذا التأثير
1- عدم جواز تحليف المتهم اليمين القانونية Le serment:
 تذهب التشريعات الأنجلو ***  ونية إلى أنه من الجائز أن يجلس المتهم في مقعد  الشهود وأن يُدلي بأقواله  بعد حلف اليمين القانونية، بينما تذهب التشريعات  اللاتينية إلى عدم جواز  تحليف المتهم اليمين عند استجوابه. ويجمع الفقه  والقضاء أن تحليف المتهم  اليمين يعتبر من قبيل الضغط الأدبي الذي تتأثر به  إرادته، بالرغم من عدم  وجود نص في القانون يحرم تحليف المتهم اليمين لكن  حلف اليمين يحتم على  المتهم إما أن يحلف اليمين كاذباً وينكر الحقيقة  وبالتالي يخالف ضميره  الديني والأخلاقي أو يضحي بنفسه ويعترف.
 وإذا كانت مبادئ الأخلاق تسمح  بأن يكذب المتهم أمام العدالة ولكنها تنكر  عليه أن يحلف يميناً كاذباً،  وبذلك يعتبر من قبيل الإكراء المعنوي ويحدث أن  يسأل المحقق الشخص على أنه  شاهد وحلفه اليمين القانونية ثم بدا له توافر  بعض أدلة الاتهام قبله فلا  يجوز توجيه التهمة إليه في نهاية سماع شهادته،  وإنما يتعين عليه استجوابه  بعد بإجراء مستقل عن إجراء سماع الشهادة دون  تحليفه اليمين، وعليه يقضي  بطلان الاستجواب والاعتراف المتهم منه إذا حلف  المتهم اليمين وهو بطلان  متعلق بالنظام العام.
 وهذا ولم ينص القانون الفلسطيني أو المصري أو  الأردني على هذه القاعدة  ولكنها مستقرة فقهاً وقضاءً بينما ينص القانون  الكويتي صراحة في المادة 98  إجراءات جزائية على عدم جواز تحليف المتهم  اليمين، وكذلك القانون البحريني  في المادة 134/4 من قانون أصول المحاكمات  الجزائية، والقانون اليمني في  المادة 145/1 إجراءات جزائية، والقانون  العراقي في المادة 126/1 من قانون  أصول المحاكمات الجزائية، والقانون  السوداني في المادة 218/4 إجراءات  جزائية.
2- حماية المتهم من الإكراه:
 تتمثل هذه الحماية في تحريم تعذيب المتهم لإكراهه على إبداء أقوال  معينة،  فإذا كان الغرض من التعذيب هو حمل المتهم على الاعتراف كان الفعل  جريمة  معاقباً عليها بالمادة 208 أردني والمادة 126 مصري، كما صدر قرار  الجمعية  العامة للأمم المتحدة رقم 3452 في 9 ديسمبر سنة 1975 بشأن حماية  جميع  الأشخاص ضد التعذيب وغيره من العقوبات أو المعاملات القاسية أو غير  إنسانية  أو المهينة، وحظرت المادة (5) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان  الصادر  سنة 1948 تعذيب المتهم، والمقصود بالإكراه هنا الآلام البدنية أو  النفسية  التي تصيب المتهم من جرّاء  إخضاعه لوسيلة من وسائل التعذيب  كالضرب أو  الجَلْد وخلا منهما من وسائل التعذيب البدنية ألو التهديد  بإيقاع هذا  الأذى. وتطبيقاً لذلك نصت المادة 99 من القانون الفلسطيني على  أنه يتعين  على وكيل النيابة قبل الاستجواب أن يعاين المتهم ويثبت الإصابات  علاوة على  ذلك أوجبت المادة (100) من القانون الفلسطيني على وكيل النيابة  من تلقاء  نفسه الأمر بإجراء الفحوصات الطبيّة والنفسية للمتهم من قبل  الجهات  المختصة. وإذا رأى ضرورة لذلك أو بناءً على طلب المتهم أو محاميه،  وكذلك  فإن الإغراء وهو كل وعد من شأنه إيجاد الأمل لدى المتهم بتحسين  ظروفه إذا  اعترف بجريمته ولكي يؤدي هذا الإغراء إلى بطلان الاستجواب يجب  أن يصدر من  شخص له نفوذ وسلطة في الدعوى، كما يعيب الاستجواب الإكراه  المعنوي ويعرض  للبطلان الذي يتمثل في تهديد المتهم بضربه بقصد التأثير على  الإرادة وهو  يتنوع وفقاً لظروف يوجب أن تأخذ في الاعتبار جميع الملابسات  المحيطة،  ويلاحظ أن وجود رجال البوليس في غرفة المحقق لا يؤثر على سلامة  الإجراءات  وقبول الأدلة التي تسفر عنها، إلا أنه وبالقدر المتيقن منه يعد  قرينة إذا  ما أيدت بأمور أخرى تختلف في كل حالة على أن المتهم كان واقعاً  تحت تأثير  إكراه معنوي. وإنني أرى عدم وجود الشرطة داخل غرفة النيابة  ضماناً وحفاظاً  على حقوق المتهم من أي تأثير كان.
3- عدم إحداث إجهاد نفسي للمتهم (عدم إطالة مدة الاستجواب):
 من الأساليب التي تتبع في استجواب المتهم الإرهاق وذلك بأن يعمد المحقق   إلى مناقشة المتهم مناقشة تفصيلية مطولة تمتد ساعات متواصلة حتى تضعف   سيطرته وروحه المعنوية ويقل تركيزه فيرغمه على الاعتراف. فإذا حدث ذلك فإن   الاستجواب يبطل، ورغم أنه لا يوجد معيار زمني محدد لإجراء الاستجواب إلا  أن  تحديد الفترة المعقولة ِلإجراء الاستجواب دون تأثير على إرادة المتهم   مسألة تخضع لرقابة محكمة الموضوع.
 وقد أكدت محكمة النقض المصرية على  هذا المبدأ في العديد من أحكامها  الحديثة، ولم يحدد القانون الفلسطيني  والمصري والأردني وقتاً محدداً يجري  فيه الاستجواب ولم يضع حداً أقصى لمدة  الاستجواب ولكن القانون السعودي حدد  زمن فتح التحقيق وتوقفه وقفله  بالدقيقة والساعة واليوم والشهر والسنة، وعلى  القاضي إذا رأى أن التحقيق  قد استغرق مدة طويلة أن يسأل المتهم عما إذا  كان ذلك قد أثر في الإدلاء  بأقواله أم لا. وذهب القانون الفرنسي في المادة  64 من قانون الإجراءات  الجنائية أي أنه ولضمان عدم إرهاق المتهم باستجوابه  المطول إلى إلزام جهات  الضبط القضائي أن يذكروا مدة الاستجواب وفترات  الراحة التي تخللت  الاستجواب، ويجب أن يوقع على هذه البيانات. ولذلك حرصت  بعض التشريعات  الجنائية المقارنة على تحديد الفترة التي يمكن استجواب  المتهم خلالها مثل  القانون الفنلندي الذي حدد وقت الاستجواب ما بين الساعة  السادسة صباحاً  والساعة التاسعة مساءً أو أنه لا يجوز استجواب المتهم مدة  تزيد على اثنتي  عشرة ساعة مرة واحدة، وكان القانون الأرجنتيني ينص في  المادة 224 من قانون  الإجراءات الجزائية أنه يجب على القاضي إغلاق المحضر  إذا استغرق  الاستجواب مدة طويلة أفقدت المتهم صفاء تفكيره أو ظهرت عليه  بوادر  الإرهاق، ويجب على المتهم أن يدفع أمام محكمة الموضوع بأن الاستجواب  كان  طويلاً مما أدى إلى إرهاقه والتأثير في حريته، وللمحكمة السلطة  التقديرية  في قبول هذا الدفاع أو رفضه بشرط أن يكون التسبيب سائغاً، كما  رفض القضاء  الأنجلوأمريكي الاعتماد على الاستجواب المطول فقد قررت المحكمة  العليا في  الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1940 إلى أن إخضاع المتهم  لاستجواب متواصل  يساوي الإكراه الذي يفسد الإقرار الصادر عنه لأنه خرق  لقواعد أصول  المحاكمات. وإني أؤيد وضع تحديد معين لمدة الاستجواب في  القانون الفلسطيني  وحصره فقط في ساعات الدوام الرسمي.
4- أثر الوسائل العلمية الحديثة في استجواب المتهم:
 يكاد ينعقد الإجماع على رفض الوسائل العلمية الحديثة وأهمها التنويم   المغناطيسي وعقار كشف الحقيقة كوسائل لاستجواب المتهم حتى ولو لم يوجد نص   تشريعي يقضي بتحريمه، وقد شبه بعض الفقهاء بالإكراه المادّي الذي يعدم   الإرادة. إذ يترتب عليها الحصول على معلومات من المتهم يحرص على عدم البوح   بها أي أنها تنتزع منه بغير رضائية. ولقد صرحت بعض التشريعات بالنص صراحة   على تحريم الالتجاء إلى الوسائل العلمية للحصول على الاعتراف مثال ذلك   المادة 141 من قانون الإجراءات في الأكوادور والمادة 136/أ من قانون   الإجراءات الجنائية لألمانيا الاتحاديّة، بل إن المادة 613 من قانون   العقوبات الإيطالي تنص على معاقبة كل من تسبب في سلب حرية الإرادة  والتفكير  لدى شخص ما بالتنويم المغناطيسي أو استخدام المواد الكحولية أو  المخدّرة  بصرف النظر عن موافقته على ذلك، ويبطل الاستجواب أيضا إذا استعمل  جهاز كشف  الكذب مع المتهم وكذلك القانون السويسري. وهو ما أكدت أيضاً  المؤتمرات  الدولية ومنها لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة سنة  1962، ولا يغير  من الأمر شيئاً حتى ولو رضي المتهم بالإجراء، وعليه لا  يجوز استخدام  الوسائل العلمية الحديثة في استجواب المتهم.
5- عدم خداع المتهم:
 ويتمثل في الطرق الاحتيالية والأسئلة الخادعة والإيحائية ويتنافى ذلك  كله  مع مبدأ الأمانة في التحقيق، فقد أصبح المحقق ملزماً بمراعاة الأمانة   التابعة بالنسبة لما يقوم به من إجراءات، فهي تنبع من الضمير وتفرضها  مبادئ  العدالة، وينتج من الخروج عليها البطلان دون حاجة إلى نص يفرضه  استناداً  إلى أنها تعتبر مخالفة لقاعدة جوهرية مقررة لمصلحة الدفاع.

ثالثاً- كفالة حقوق الدفاع Les droits de la défense:
 من الضمانات المقررة للمتهم في الاستجواب توفير حقوق الدفاع له من ذلك   التسليم بحقه في الصمت كوسيلة للدفاع وحق محاميه في أن يدعي لحضور وقت   الاستجواب، وحق محاميه في الاطلاع على الأوراق قبل الاستجواب بذلك على   النحو التالي:
1) حق المتهم في الصمت  Le droit du si lence del inculpe:
 إن المشرع الفلسطيني قد تميز عن القانونين المصرين والأردني بتبنيه  صراحة  للرأي الفقهي الأول الذي منح المتهم الحق في الصمت، حيث نصت المادة  97/1 من  القانون الفلسطيني صراحة على أن "للمتهم الحق في الصمت وعدم  الإجابة على  الأسئلة المتوجهة إليه" وإن كان قانون الإجراءات الجزائية  اليمني قد نص في  المادة 178 على عدم إجبار المتهم على الإجابة، ويجد هذا  الحق سنده في  القاعدة الدستورية أن الأصل براءة المتهم وعلى مَن يدعي عكس  ذلك أن يقيم  الدليل على صحة مَن يدعيه وينتج عن ذلك أنه لا يكلف إنسان  بإثبات براءته،  وما دام الأمر كذلك فإنه إذا اختار المتهم التزم الصمت  وعدم الإجابة على  أسئلة المحقق، فلا تجوز مصادقة فيما اختاره لأنه غير  ملتزم بالدفاع عن  نفسه. وقد استقر هذا الوضع الآن في معظم التشريعات سواء  التي تنتمي إلى  النظام اللاتيني مثل القانون الفرنسي المادة 114/1 إجراءات  فرنسي أو المادة  78 من قانون الإجراءات الجنائية الإيطالي أو تلك التي  تنتمي للنظام  الأنجلو *** وني مثل القانون  الإنجليزي طبقاً لقانون سنة 1898 وإن كان يوجد  استثناء في قضايا إفشاء  الأسرار والدولة. كما قضت المحكمة العليا الأمريكية  بأنه ليس لممثل  الادعاء أن يستغل صمت المتهم كقرينة ضدّه، ومع ذلك فهناك  بعض التشريعات  ترفض هذا الحق للمتهم مثل قانون مقاطعة جنيف وقانون مقاطعة  زيوريخ. كما  أوصت بهذا الحق العديد من المؤتمرات الدولية منها المؤتمر  الدولي السادس  لقانون العقوبات المنعقد في روما سنة 1953 وكذلك أوصت لجنة  حقوق الإنسان  بهيئة الأمم المتحدة في 5 يناير سنة 1962 بهذا الحق، وقد  استقرّ الفقه  والقضاء في مصر على حق المتهم في الصمت بالرغم من عدم النص  عليه صراحة.
2) دعوة محامي المتهم للحضور:
 استلزم المشرّع ضرورة دعوة المحامي للحضور أثناء الاستجواب وتمثل ضمانة   للمتهم، وهذا ما نصت عليه المادة 96 و97/2 من القانون الفلسطيني، وعلة ذلك   إحلال السكينة والطمأنينة لدى المتهم عندما يشعر بأن محاميه يقف إلى  جانبه  وما يترتب على ذلك من جعله في وضع يحسن فيه الردّ على الأسئلة  والمناقشة  بالإضافة إلى أن محاميه قد يقترح على المحقق توجيه أسئلة معينة  للمتهم في  صالحه وذلك بإذن المحقق، فإذا لم يأذن له وجب إثبات ذلك في  المحضر، المادة  102/2 من القانون الفلسطيني، وهو نفس المادة 124/1 من  قانون الإجراءات  الجنائية المعدلة بالقانون رقم 145 لسنة 2006 مصري وإن  كان ينقص النص  الفلسطيني في إمكانية من تلقاء نفسها المحقق أن يندب له  محامياً، وللمحامي  أن يثبت في المحضر ما يعني له من دفوع وطلبات أو  ملاحظات، وذلك في مواد  الجنايات والجنح المعاقب عليها بالحبس وجوبياً  أيضاً(3). وهو نفس النص في  المادة 63/1 أصول أردني ويخطره بهذا الحق وله  التأجيل مدة أربع وعشرون  ساعة، فإذا لم يخطر يباشر في التحقيق بمعزل عنه.  والواقع أنه بالاطلاع إلى  نص المادة 14 من الدستور الفلسطيني فقد أوجبت  حضور محامٍ في الجنايات وهو  ما لم ينص عليه قانون الإجراءات، وهذه إشكالية  في حاجة إلى تعديل بالنص على  وجوب حضور محامٍ في الجنايات وندب محامٍ  للمتهم في الجنايات لخلو قانون  الإجراءات الجزائية منه. هذا علماً أن حضور  المحامي للاستجواب لا يقصد به  أن يجيب على أسئلة المحقق نيابةً عن المتهم  أو حتى يساعده في الإجابة بل  بقصد المراقبة سلامة الإجراءات والاعتراض  على ما يراه باطلاً. ولقد استثنى  المشرّع الفلسطيني والمصري والأردني في  المواد 98 فلسطيني 124 مصري 63/2  أردني في أحوال التلبس بالجريمة وحالة  السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة من  واجب دعوة محامي المتهم لحضور  الاستجواب والحكمة المحافظة على مصلحة  التحقيق وتقدير هذه السرعة متروك  للمحقق تحت رقابة محكمة الموضوع.
3) حق المحامي في الاطلاع على الأوراق:
 تمكيناً لمحامي المتهم من أداء واجبه في حضور الاستجواب أوجب المشرّع   السماح للمحامي بالاطلاع على الأوراق أي ملف الدعوى قبل الاستجواب فيما  يخص  موكله استنادا إلى نص المادة 102/3 وعطفها على المادة 63 والمادة 92   إجراءات، يجوز للمتهم أيضاً تصوير أوراق التحقيق أو مستنداته وبذلك يكون   القانون الفلسطيني لم يضع أي قيد على سريّة التحقيق بالنسيبة لخصوم الدعوى   كافة، وهذا النص لا يوجد له نص مماثل في القانون الأردني ولكن في القانون   المصري نص عليه في المادة 125 من قانون الإجراءات الجنائية وإن كان قيد   قيده بحق رفض المحقق أو القاضي الاستجابة لطلب المحامي دون إشارة لأسباب   الرفض، فجاء النص عاماً مع نص المادة 84 من حق الخصوم في تصوير التحقيق  إلا  إذا كان التحقيق حاصلاً بغير حضورهم بناءً على قرار صادر بذلك، وبذلك  يتضح  في النص المصري أيضاً وذلك قبل 24 ساعة من الاستجواب، وإلا وقع  الاستجواب  باطلاً، ولكنه بخلاف نسبي لأن الإجراءات مقرر لصالح المتهم فيجب  أن يتمسك  به صاحب الشأن كما هو الحال في ضمان حقوق الدفاع. ويلاحظ وبحق  أهمية هذا  الاستثناء الذي تقرره في التشريع المصري في المادة 125 من قانون  الإجراءات  الجنائية المادة (5) من القانون رقم 37 لسنة 1972، فقد استثنى  المشرّع  المصري الاستجواب الذي يجري في الجنايات المنصوص عليها في الأبواب  الأول  والثاني مكر رمن الكتاب الثاني من قانون العقوبات فيجوز أن يجري  فيها  الاستجواب دون أن يمكن المحامي من الاطلاع على الأوراق.
4) إحاطة المتهم علماً بالتهمة المنسوبة إليه:
 وهو ما نصت عليه المادة 196 من القانون الفلسطيني والمادة 123 مصري   والمادة 63 أردني وعلة هذه الضمانة هي إتاحة الفرصة للمتهم للتعرف على   التهمة المنسوبة للمتهم، وتبعاً لذلك تنظيم خطة دفاع لها بالتعاون مع   محاميه فيثبت فساد الاتهام ضده كما لها فائدة للمحقق من حيث أن يتيح له  وضع  خطة سليمة للاستجواب ويتطلب إحاطة المتهم علماً بما هو منسوب إليه  وعدم  الاكتفاء بإخطاره بالتهمة المنسوبة إليه على وجه إجمالي بل إخطاره  تفصيلاً  بالشبهات القائمة ضده كي يتاح له تفنيدها. وقد نص الدستور على هذه  الضمانة  في المادة 12 منه .


5) حق المتهم في الامتناع عن تمثيل الجريمة:
 لقد ثار البحث في طلب المحقق من المتهم إعادة تمثيل ارتكاب الجريمة،  ولذلك  يرى البعض بأن المتهم غير ملزم بالمعاونة في ذلك لأن هذا العمل ليس  إلا  تأكيد لاعتراف الجريمة وليس للمحقق أن يفعل ذلك حالما أنه ليس للمحقق  أن  يطلب من المتهم الاعتراف بارتكاب الجريمة. وإنني أؤيد هذا الرأي وأضيف  أن  الأمر يتعلق برضاء المتهم بالقيام بهذا الإجراء طواعية مثل الاعتراف  الصادر  منه، وهذا وقد نصت على حق المتهم في الامتناع عن تمثيل الجريمة،  المادة  205 من مشروع قانون الإجراءات الجنائية الأرجنتيني.
6) حق المتهم في حضور جميع إجراءات التحقيق:
 لقد نص القانون المصري صراحة في المدة 77 إجراءات جنائية على حق المتهم  بل  الخصوم جميعاً في الحضور جميع إجراءات التحقيق ليكون على بينة من كل  ما  يجري في هذا التحقيق، سواء لصالحه أو ضد صالحه، وحتى يتمكن من مناقشة  من  يدلون بأقوالهم في هذا التحقيق، وهذا وقد سمع المشرّع بعدم حضور المتهم  إلا  في حالتين حددهما على سبيل الحصر هما حالة الاستعجال وحالة الضرورة،   ويترتب على مخالفة ذلك البطلان إذا منع المتهم من حضور إجراءات التحقيق.   ولا يوجد هذا النص مماثل في القانون الأردني، ولكن الحال في القانون   الفلسطيني يثير إشكالية حقيقة، وبالرغم من عدم وجود نص صريح كما هو الحال   في المادة 77 مصري إلا أنه يوجد تأكيد على حق المتهم في حضور جميع إجراءات   التحقيق، ونستند على ذلك بالنصوص التالية وإلا تعرضت الإجراءات للبطلان:
1- نص المادة 82 إجراءات فلسطيني من حق الخصوم بعد الانتهاء من سماع  أقوال  شاهد أن يطلبوا من وكيل النيابة أو المحقق المفوض سؤال الشاهد عن  نقاط لم  تَرِد في شهادته وهو تأكيد عن حضور المتهم سماع الشهود.
2- المادة 61 "يعلن الخصوم باليوم الذي يباشر فيه التحقيق ومكانه فهذا   تأكيد في القانون الفلسطيني على ضرورة حضور المتهم جميع جلسات التحقيق،   وهذا النص يخلق إشكالية في العمل لاستحالة حضور الخصوم وإحضار المتهم حين   حضور الشهود مما يزيد من أزمة العدالة الجنائية، بل إن الأمر أكثر تعقيداً   في القانون الفلسطيني، حيث لم يسمح للنيابة العامة أو المحقق استثناء هذا   الإجراء في حالتيّ الضرورة أو الاستعجال كما فعل المشرّع المصري مما يعرض   الإجراء للبُطلان وهو بحقّ بحاجة لتدخل المشرّع لتصويب الوضع.
7- حق المتهم في الكذب
لقد ثار خلاف حاد في الفقه بين مؤيد لهذا الحق  وبين رافض له ولكن  المشرّع  الفلسطيني تبنى صراحة حق المتهم في الادلاء بأقوال غير صحيحة في  معرض  الدفاع عن نفسه سواء في مرحلة التحقيق أو المحاكمة ، المادة 218  اجراءات  وبالتالي لا اجتهاد في مورد النص .


          المبحث الرابع
                                       بطلان الاســـــتجواب
 يترتب على عدم مراعاة الضمانات الخاصة بالاستجواب بطلانه وبطلان ما ترتب   عليه من إجراءات، ولكن يختلف نوع البطلان بحسب الضمانة التي تمت مخالفتها   فيكون البطلان مطلق إذا أجرى مأمور الضبط القضائي الاستجواب أو إذا حلف   المتهم اليمين أو إذا وقع عليه إكراه وكذلك اتخاذ أي وسيلة مؤثرة على حرية   إرادته كالخداع أو الوعد أو الوعيد، ويكون الاستجواب نسبياً إذا خولفت   قاعدة حق المتهم في دعوة محاميه للحضور في الجنايات أو إذا لم يمكن  المحامي  من الاطلاع على الأوراق، لأن هذه القواعد مقررة لصالح المتهم ويجب  على  المتهم التمسك بهذا البطلان، وإلا سقط حقه أمام محكمة الموضوع، ولا  يجوز  إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض. ويترتب على بطلان الاستجواب  بُطلان كل  ما يترتب عليه من آثار مثل الاعتراف المترتب على الاستجواب،  وكذلك التوقيف  الاحتياطي. وإن كُنّا نؤيّد  البعض من أن بطلان الاستجواب  أو انعدامه لا  يترتب عليه بطلان أمر الإحالة إلى المحكمة المختصة لكونه  غير مترتب عليه،  ولأنه من أوامر التصرف في التحقيق وما الاستجواب إلا  إجراء من إجراءاته،  هذا ويمكن تصحيح الاستجواب الباطل بإعادته مع تجنب سبب  بطلانه، بالرغم من  عدم وجود نص بذلك في القانون الفلسطيني وجود نص في  القانون المصري في  المادة 325 إجراءات جنائية.

 
الفصل الثاني
سماع الشهود Témoignage
تمهيد وتقسيم:
 سوف نبحث في هذا الفصل مفهوم الشهادة، السلطة التقديرية للمحقق وجريمة   التخلف عن الحضور وجريمة الامتناع عن الشهادة، كيفية سماع الشهادة، وحالات   الإعفاء من الشهادة أو حلف اليمين، سماع شهادة الأصم والأبكم والضرير،  وعدم  جواز رد الشاهد، وذلك في المباحث التالية تبعاً:
المبحث الأول
مفهوم الشهادة
 الشهادة دليل من الأدلة الجنائية التي يسعى المحقق بجمعها للوصول إلى   الحقيقة، سواء كان ذلك لإثبات الجريمة ونسبتها إلى المتهم أو نفي الجريمة   أو نفي نسبتها إليه. فالشهادة في الأصل هي تقرير شخص لما يكون قد رآه أو   سمعه بنفسه أو أدركه على وجه العموم وحواسه. فهي إجراء من إجراءات التحقيق   الابتدائي كما أنها إجراء من إجراءات المحاكمة، وبالتالي فهناك فرق بين   استماع الشهود في مرحلة التحقيق الابتدائي واستماعهم في مرحلة التحقيق   النهائي، فالشهادة في مرحلة التحقيق الابتدائي ترمي إلى أن تلقى في ردع   وكيل النيابة أو مَن يقوم مقامه من أعضاء الضابطة العدلية بأن الأدلة  كافية  أو غير كافية لإحالة المتهم إلى المحاكم أو حفظ القضية، كذلك لا  تعتبر  عنصراً من عناصر القناعة أمام المحاكم، أما في التحقيق النهائي  فالشهادة  عنصر من عناصر الإثبات، وعليه فإن الإدلاء بالمعلومات أمام مأمور  الضبط  القضائي في محاضر الاستدلالات أو الإدلاء بها أمام سلطة التحقيق  بغير الشكل  القانوني يجعلها من إجراءات الاستدلال وليس من إجراءات  التحقيق.
 والشهادة نفترض أن الشاهد قد رأى أو سمع بنفسه ولكن هناك ما  يسمى  "بالشهادة السماعية" و"الشهادة بالتسامُع"، والشهادة السماعية تعني  أن  شخصاً سمع من آخر معلوماته عن الواقعة محل التحقيق كمَنْ يشهد بأنه سمع  من  آخر أنه شاهد ارتكاب المتهم للجريمة، وواضح أن هذه الشهادة غير  مباشرة،  فالشاهد لم يرَ الجريمة بنفسه مباشرة ولذلك فهذه الشهادة تكون  قوتها في  الإثبات أقل. أما "الشهادة بالتسامع" فهي مجرد ترديد لإشاعة  تتردد بين  الناس، فقد تكون صادقة وقد لا تكون، ولذلك لا تصلح هذه الشهادة  كدليل  لاستحالة التحقيق من صحتها. ولا يجوز للشاهد أن يبدي رأياً في  الوقائع التي  شهد بها ولا في مدى مسؤولية المتهم، ولكن ليس ما يمنع أن  تكون سمعة المتهم  هي موضوع الشهادة إذا طلبها المحقق، لأن هذه السمعة لا  تتكون من رأي  للشاهد ولكن من وقائع تتردد بين الناس سمعها الشاهد منهم.  وبالتالي ينقسم  الشهود إلى شاهد إثبات بمعنى الذي يشهد بما يؤدي إلى ثبوت  التهمة الموجهة  للمتهم وشاهد نفي هو الذي يشهد بما يؤدي إلى نفي التهمة  الموجهة للمتهم  فتعتبر شهادته دليلاً لبراءة المتهم مما نسب إليه، وهناك  شاهد الواقعة وهو  الشاهد الذي شهد الواقعة محل الجريمة المنسوبة إلى  المتهم وهو ما يكون شاهد  إثبات أو شاهد نفي ويعامَل مُعاملة القانون كشاهد  الإثبات من حيث ضرورة  سماعه.
المبحث الثاني
السلطة التقديرية للمحقق في سماع الشهود
 لقد وضع المشرّع في يد المحقق سلطة تقديرية جدوى سماع الشاهد لصالح   التحقيق، ويستوي في ذلك أن يكون سماعهم بمبادرة من المحقق أو بناءً على  طلب  أحد أطراف القضية بل له أن يسمع الشاهد إذا حضر من تلقاء نفسه وطلب  سماع  معلوماته في القضية وقدر المحقق أهميتها، وهو نص المادة 77 إجراءات  فلسطيني  المقابلة لنص المادة 110 من قانون الإجراءات الجنائية والمادة  111/2  إجراءات، والمقابلة للمادة 68 أصول أردني، ولكن جرت أحكام القضاء  على أن  هناك نوعاً من الشهود يتعين على المحقق سماعهم متى طلب أحد الخصوم  ذلك هم  شهود الواقعة سواء كانوا شهود إثبات أو نفي لأهمية شهادتهم في  إنارة الطريق  أمام المحقق. وتقوم النيابة العامة بإعلان الشهود وتكليفهم  بالحضور  بمذكرات دعوة قبل الموعد المحدد بأربع وعشرين ساعة عن طريق رجال  السلطة  العامة أ و المحضرين، المادة 78 إجراءات فلسطيني المقابلة للمادة  111  إجراءات مصري والمقابلة للمادة 69 أصول أردني .
المبحث الثالث
جزاء التخلف عن الحضور وجريمة الامتناع عن أداء الشهادة
 أوجب القانون على كل من دُعي للحضور أمام سلطة التحقيق بناءً على  استدعاء  المعلن إليه رسمياً أن يلتزم بهذا الواجب وإلا أجاز للنيابة  العامة توجيه  استدعاء ثاني فإذا تغيب بعد ذلك يصدر وكيل النيابة العامة  مذكرة إحضار بحقه  المادة 85 إجراءات فلسطيني وكذلك إذا تبين لوكيل النيابة  العامة أن حالة  الشاهد الصحية لم تَكن لتمنعه من الحضور فله إصدار مذكرة  إحضار بحقه المادة  87 إجراءات فلسطيني، وإن الالتزام بالحضور أمام المحقق  منصوص عليه في  القانون الأردني والمصري. ففي القانون الأردني المادة 75/1  ولكن يحق للمدعي  العام إحضاره وتغريمه خمسة دنانير غرامة وله أن يعفيه  منها إذا كان تخلفه  بسبب معقول المادة 75/2 أصول، وكذلك نجد في القانون  المصري أيضاً نفس  الالتزام على الشاهد بضرورة الدعوى، ولقد أعطى القانون  لوكيل النيابة مكنة  رفع الأمر للقاضي الجزئي لتوقيع عقوبة الغرامة لا  تجاوز خمسين جنيهاً بعد  سماع أقوال النيابة العامة. وإنني أؤيد وجود هذا  النص في القانون الفلسطيني  لتوقيع جزاء من المحكمة على المخالف، ومن ناحية  أخرى تعرضت المادة 88  إجراءات فلسطيني، والمادة 119 أ.ج مصري معدلة  بالقانون 29 لسنة 1982 على  حالة إذا حضر الشاهد وامتنع بعد حضوره عن أداء  الشهادة أو عن حلف اليمين  اعتبر المشرّع ذلك جريمة يُعاقب عليها بغرامة لا  تزيد على مائتي جنيه في  القانون المصري أو بغرامة لا تقل عن خمسين  ديناراً ولا تزيد على مائة دينار  أردني أو ما يعادلها بالعملة المتداولة  قانوناً أو الحبس مدة أسبوع أو  بكلتا العقوبتين، ويلاحظ تشدد المشرع  الفلسطيني حيث أجاز الحبس مع إمكانية  إعفائه من العقوبة إذا عدل الشاهد عن  امتناعه قبل انتهاء المحاكمة، ونرى  الأفضل النص قبل انتهاء التحقيق  لأهمية الشهادة في قرار وكيل النيابة حين  نهاية الإجراءات، مع ملاحظة عدم  وجود نص في القانون الأردني مماثل أثناء  التحقيق الابتدائي، وإن كان ورد  النص على هذا في حالة امتناع الشاهد عن حلف  اليمين أمام المحكمة، وكذلك  الحكم بالنسبة للامتناع عن تأدية الشهادة،  ولذلك نادى البعض بضرورة النص  على ذلك ومنح المدعي العام الحق بتوقيع  العقوبات على الشاهد.
المبحث الرابع
كيفية سماع الشهادة
 يتبع في سماع الشهادة من قبل المحقق الإجراءات التالية، سواء تعلق الأمر بشهود الإثبات أم النفي:
1- يطلب المحقق من الشاهد أن يبين اسمه ولقبه وسنه وصناعته وسكنه وعلاقته بالمتهم وصلته بالخصوم.
2- يجب أن يسمع المحقق شهادة كل شاهد على انفراد ومخالفة هذا الوجب لا   يترتب عليها البطلان وإنما تؤثر على قيمة الدليل المستمد من الشهادة.  ويجوز  للمحقق أن يواجه الشهود بعضهم ببعض أو بالمتهم، وسواءً أكان ذلك  أثناء  سماع الشهادة أم بعد الانتهاء منها، ويثبت ذلك في محضره.
3- إذا  كان سن الشاهد قد بلغ خمسة عشر سنة فيجب على الشاهد أن يحلف اليمين  وهي  أنه (أقسم بالله العظيم أن أقول الحق كل الحق ولا شيء غير الحق)، كل  ذلك  قبل الإدلاء بشهادته وعلى المحقق إثبات ذلك في محضره ويجوز سماع شهادته  من  هم دون الخامسة عشرة دون حلف يمين، وتكون شهادتهم على سبيل الاستئناس   (الاستدلال). كذلك عدم تحليف المحقق للشاهد اليمين القانونية يترتب عليها   عدم اعتبار الشهادة كدليل إثبات، وإنما تؤخذ على سبيل الاستئناس   (الاستدلال)، وبالتالي لا تصلح أن يعتمد عليها في الإدانة وحدها، ولكن لا   بد أن معززة لأدلة أخرى في الدعوى، وهذا وإن كان حلف اليمين يُخالف عقيدة   الشاهد الدينية جاز تدوين أقواله بعد تأكيده أنه سيقول (الصدق) وكذلك فإنه   إذا دُعيَ رجل دين لتأدية الشهادة فيكون حلف اليمين بين يدي أسقفة أو  رئيسه  الديني ثم يعود لوكيل النيابة بشهادة بذلك أنه حلف اليمين وأنه  سيقول  الصدق، والعلة في ذلك أن تحليف اليمين القصد منها تذكير الشاهد بأن  الله  يسمعه ويراه وهو يؤدي شهادته.
4- تدوين شهادة الشاهد كتابة  بالمحضر، وكذلك البيانات الخاصة به كشط أو  تحشير ويعتمد أن تصحيح أو شطب  أو تخريم إلا إذا صدّق عليه القاضي والكاتب  والشاهد ويوقع على الشهادة  كلٍّ من القاضي والكاتب والشاهد بعد تلاوتها  عليه وإقراره بأنه مُصِرّ  عليها.
5- إذا تعذر حضور الشاهد لأسباب صحية ينتقل وكيل النيابة إلى  محل إقامتهم  لسماع أقواله أما إذا كان مقيماً خارج منطقة اختصاصه فعليه أن  ينيب وكيل  النيابة المختص لسماع شهادته.
6- يكون حضور الشهود لأداء  الشهادة على نفقة الدولة ويقدر وكيل النيابة  الذي يباشر التحقيق بناءً على  طلب الشهود المصاريف والتعويضات التي  يستحقونها بسبب حضورهم لأداء  الشهادة.

 

المبحث الخامس
حالات الإعفاء من الشهادة أو حلف اليمين
 هناك حالات أوردها المشرّع نص فيها على عدم الصلاحية الشاهد لأداء  الشهادة  منها ما ورد في قانون الإجراءات ومنها ما ورد في قانون البينات في  المواد  المدنية والتجارية الفلسطيني رقم 4 لسنة 2001م، إلا أنها واجبة  التطبيق  أمام المحاكمة الجنائية، بالرغم من عدم النص عليها، وإن كان  قانون  الإجراءات المصري قد نصّ عليها في المادة 287 إجراءات وهي:
1) الشهادة عن معلومات تتعلق بأمن الدولة:
 حيث لا يجوز أن يشهد أحد عن معلومات أو مضمون أوراق تتعلق بأمن الدولة  إلا  إذا كانت قد نشرت بإحدى الطرق القانونية أو كانت السلطة المختصة قد  أذنت  بإذاعتها المادة 75 من قانون البينات الفلسطيني.
2) خطر إفشاء معلومات تم الوصول إليها عن طريق المتهم:
 حيث لا يجوز من علم من المحامين أو الأطباء أو غيرهم عن طريق مهنية أو   صنعته بوقائع أو معلومات  يفشيها ولو بعد انتهاء خدمته ما لم يكن ذكرها له   مقصوداً به ارتكاب جناية أو جنحة أو في حالة طلب ذلك منهم من أسرها إليهم   على ألا يخل ذلك بأحكام القوانين الخاصة بهم، المادة 76 من قانون البينات   الفلسطيني.
3) خطر شهادة أحد الزوجين:
 حيث لا يجوز لأحد الزوجين  أن يفشي بغير رضاء الأخرى أبلغه إليه أثناء قيام  الزوجية أو بعد انفصامها  إلا في حالة رفع دعوى من أحدهما على الآخر أو  إقامة دعوى على أحدهما بسبب  جناية أو جنحة وقعت منه على الآخر المادة 77 من  قانون البينات الفلسطيني.
4) الإعفاء من اليمين لأصول المتهم وفروعه وزوجته:
 في البداية لا يمكن النظر إلى المادة 83/2 بمعزل عن نص المادة 222  إجراءات  فلسطيني، وإنني أرى أن المشرّع قصد من عدم حلف اليمين هو أن تأخذ  الشهادة  على سبيل الاستدلال بل الاستغناء عنها قدر الإمكان إلا في حالة أن  الجريمة  وقعت عليه، ولكن النص المصري أفضل من إذا نص في المادة 286  إجراءات على  امتناع عن الشهادة ضد المتهم إذا كانت تربطه به صلة قرابة حتى  الدرجة  الثانية أو لوجود صلة زوجية تعطي الشخص حق الامتناع عن الشهادة  ولو بعد  انقضاء رابطة الزوجية.
المبحث السادس
سماع شهادة الأصم والأبكم والضرير
 ليس ما يمنع قانونياً من سماع شهادة الأصم والأبكم طالما أنه يحتفظ  بملكتي  التمييز والاختيار، وللمحقق أن يعتمد على شهادته على حساب طريقة  تعبيره.  وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأنه إذا كان الحكم قد  أثبت  بمدوناته أن الشاهد عبر لوكيل النيابة المحقق عما رآه بطريقة  الإشارات، وهي  التي اعتاد البكم التعبير بها وأحال في بيان شهادته على  أقوال الشاهدة  الأولى فلا يؤثر فيه أن يكون الشاهد أصم أبكم، كما قضى بأنه  ليسا ما يمنع  من الآخذ بشهادة الضرير في واقعة يدركها بغير حاسة البصر.

 

المبحث السابع
عدم جواز رد الشاهد
 لقد نصّ  القانون الفلسطيني المادة 236 إجراءات والقانون المصري المادة 285  إجراءات  على عدم جواز رد الشهود لأي سبب من الأسباب، وذلك لأن شهادة  الشاهد خاضعة  دائماً لتقدير غيره أي المحقق والمحكمة. فإذا كان لدى المتهم  أساب تدعو  إلى عدم الثقة في أقوال الشاهد كوجود علاقة تربطه بخصم آخر في  الدعوى أو  وجود ضغائن بينه وبين الشاهد، فله أن يظهر هذه الأسباب للتقاضي  كي يدخلها  في اعتباره عند تقديره لأثرها على صدق أقوال الشاهد، ولكن لا  يجوز رد  الشاهد في حالة عدم صلاحية لأداء شهادة كما لو كان غير مميز، وهناك  مَن  يرى وبحق أن نصّ المادة 228 إجراءات فلسطيني والمقابل لص المادة 288   إجراءات مصري غريباً بأن يسمع المدعي بالحقوق المدنية كشاهد ويحلف اليمين،   ذلك أنه لا نزاع في أنه خصم للمتهم حتى في الدعوى الجنائية على الأقل في   مرحلة التحقيق الابتدائي، وله حقوق الخصم فله حق الطعن في قرار النيابة   العامة بأن الأوجه لإقامة الدعوى (حفظ القضية)، كما له حق اصطحاب محامٍ  معه  في التحقيقات أمام المحكمة، وله حق مناقشة الشهود، وليس هذا شأن  الشاهد،  فالمدعي بالحق المدني صاحب مصلحة في أن يقضي في الدعوى الجنائية  بإدانة  المتهم لما يترتب على ذلك القضاء من الحكم له بالتعويض، ولا شكّ أن  هذه  المصلحة تدعو إلى عدم الثقة في أقواله.
 
الخاتِمـة
 لقد  بحثنا في الفصلين استجواب المتهم وسماع الشهود في مرحلة التحقيق،  وتبين  بشكل جليّ مدى الحاجة إلى تعديل أو إضافة بعض النصوص القانونية لوجود   إشكالية في التطبيق العملي وتحقيق أقصى فاعلية للإجراء الجنائية.

 

استضافة وتصميم
IXphoenix لخدمات الويب

جميع الحقوق محفوظة © 2012 - لموقع الدكتور أحمد براك
يرجى التقيد بالمقتضى القانوني بعملية الإقتباس من المقالات و الدراسات المنشورة في الموقع