الصفحة الرئيسية

تشريعات وقوانين

مشاريع قوانين
المعاهدات الدولية
مقالات ودراسات قانونية
أخبار قانونية
مناقشة مشاريع تخرج
الثقافة القانونية
Translated
Research and Studies
مكتبة الميديا

السيرة الذاتية

رسالة الدكتوراه
مواقع ذات صلة
اتصل بنا



 

 الصفحة الرئيسية »  مقالات ودراسات قانونية

مكافحة جرائم الفساد في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية وعولمة القانون

 

دكتور/ أحمد براك
رئيس النيابة العامة

عرف  الأستاذ/ كيمبرلي آن إليوت  الفساد في كتابه "الفساد والاقتصاد العالمي  "أنه: "سوء استخدام أطراف أو  أفراد عموميين للأدوار والموارد العمومية أو  استخدامهم الأشكال غير الشرعية  من النفوذ السياسي". ويقصد بسوء الاستخدام  المنوه عنه في ذلك التعريف أحد  أوجه ثلاثة هي: الرشوة، والتربح من  الوظيفة، واختلاس الأموال العامة، وإن  كانت هذه الأفعال الإجرامية ما لبثت  أن تأثرت بظروف دولية أدت إلى أخذها  بعداً دولياً جديداً مع بزوغ النظام  المالي الدولي المعاصر مع نهاية الحرب  الباردة.
ولعل في إطلاق لفظ  جرائم الفساد ما يوحي بأثرها الضار ليس على مستوى الفرد  فحسب بل على مستوى  المجتمع والدولة كذلك، من خلال تأثيرات سلبية على كافة  مجالات الحياة  سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، إذ أن مجرد الأصل اللغوي  للكلمة يدل على  ذلك المعنى، حيث ورد المعنى في المعجم الوجيز "فسدت الأمور  إذ اضطربت  وأدركها  الخلل".
فمنذ خلق الله الأرض ومن عليها عرف الفساد، وان تنوعت  طرقه بتنوع المجتمعات  واختلاف الأزمان، وكانت نتائجه وخيمة على البشرية  مما استدعى مكافحته، فحب  المال غريزة طبيعية لدى الإنسان، ويتطلب الحصول  عليه المعاناة، وهو ما جعل  البعض يحاول الحصول عليه بشكل غير مشروع.
ويشهد الواقع أن ظاهرة الفساد تتنامى سرطانياً في كافة النظم السياسية   ديمقراطية أو ديكتاتورية، بل متغلغلاً في جميع مستويات التنمية على تنوع   النظم الاقتصادية سواء الرأسمالية أو الموجهة، بل إن ظاهرة الفساد تهدد   الدول الفقيرة بل كادت تقوض شرعيتها السياسية، وتعرقل خطط التنمية فيها،   وتزيد من معاناة مواطنيها، وتهدد خطوات الإصلاح بها، مما يؤدي إلى زعزعة   الاستقرار والأمن بها. ولم يقتصر الأمر في مخاطر ظاهرة الفساد على تلك   البلاد الفقيرة، بل وصل إلى البلاد الغنية مما أدى إلى تعاظم التفاوت في   النفوذ بفعل الإثراء غير المشروع الناتج عن صور السلوك الفاسد، وتؤدي إلى   زيادة النفوذ السياسي، وإلى إقصاء الشرفاء عن المواقع والمناصب القيادية.
بل إن الأمر لم يقف إلى حد الأفراد أو الدول بل وصل إلى منظمات وهيئات   دولية، فضيحة الامم  المتحدة في العراق في برنامج النفط مقابل الغذاء ما   زالت ماثلة في الأذهان، ولذا نصت الإتفاقيات الدولية أو حتى التشريعات   الوطنية في مجال مكافحة الفساد على شمول نطاقة الموظف الدولي وعدم  الاحتجاج  بالحصانة.
ولا شك أن الإعتداء على المال العام ينطوي على  عدوان صارخ على المصالح  الجوهرية التي ينهض عليها البنيان الاجتماعي، ولا  تستقيم الحياة بدونه، مما  يؤدي إلى اعتبار الفعل مكونا لجريمة يستحيل  التهاون فيها، فجرائم الفساد  تهز الثقة في الكيان الاجتماعي، وتجعل من  الصلاحيات الممنوحة للمسؤولين  سيفاً مسلطاً على كيانها. ولذلك حسناً من  أقرته القيادة السياسية  الفلسطينية من وضع قانون غسل الأموال الصادر بقرار  بقانون رقم لسنة 2007،  وقانون الكسب غير المشروع رقم 1 لسنة 2005 المقرر  من قبل المجلس التشريعي  الفلسطيني، وإنشاء هيئة الكسب غير المشروع في عام  2010، وهذا نابع من  التزام السلطة الوطنية باتفاقية الامم المتحدة لمكافحة  الفساد والمقررة في 1  من أكتوبر 2003، والتي دخلت حيز التنفيذ في 14  ديسمبر 2005م. وهو التزام  احادي الجانب بموجب كتاب رسمي من دولة رئيس  الوزراء في حينه الى الامم  المتحدة. ولكن للوقوف على مدى أهمية هذه  الخطوات على الصعيد الوطني يجب  الوقوف على الجهود الاقليمية والدولية  لمكافحة هذه الظاهرة.
وإن كان يلزم في البداية الاعتراف بعولمة القانون  او عالمية القانون، حيث  اصبح العالم قرية صغيرة متشابكة العلاقات  والروابط مما ترتب عليه عدم  الاحتجاج بسيادة الوطنية وبخاصة القانونية،  فهذا يلزم تعاون وثيق اقليمي  ودولي جاد لا يقتصر على الحكومات، بل يمتد  الى المنظمات الدولية  والاقليمية، وإلى المجتمع المدني بمنظماته غير  الحكومية. نتيجة لتحول  الفساد من شأن وطني أو اقليمي إلى قضية سياسية  عالمية حيث أدرك العالم  خطورتها وازداد قلقه وتضاعف مخاوفه ازاء تداعياتها  وعواقبها وحسنا فعلت  الاتفاقيات الدولية والوطنية على النص صراحه على  التعاون الدولي في مجال  مكافحة الفساد وغسل الأموال عن طريق استرداد  المتحصلات غير المشروعة  الناتجة عن قضايا الفساد.
فيكفي ان نعرف تأثير  الفساد على المستوى الدولي من تشويه التجارة الدولية  والتدفقات  الاستثمارية، ويسهل ارتكاب الجرائم المنظمة العابرة للدول، ومن  ضمنها  الرشوة الدولية، وغسل الأموال الناتجة عن أموال إجرامية، والاتجار في   المخدرات والمؤثرات العقلية، بل وصل الأمر إلى السماح في البلدان الصناعية   بخصم الرشاوي المدفوعة من الشركات متعددة الجنسيات إلى المسؤولين في  الدول  النامية من الضرائب باعتبارها نفقات مشروعة لتصريف أعمالها، وهذا  يعني  ذيوع الفساد بين كبار المسؤولين أو صغارهم، حيث أن ذيوع الفساد بين  الكبار  من شأنه أن يقلل فرص التعامل مع فساد الصغار بفعالية.
هذا وقد  حرم الإسلام كل صور الكسب غير المشروع التي يتحصل عليها الموظف  العام  بوصفه حاكماً يفترض فيه النزاهة والأمانة فلا يسرق ولا يختلس ولا  يرتشي  ولا يستغل ولا يتربح ولا يستولي على أموال الدولة أو الأفراد، حتى  يؤدي ما  نيط به من خدمات لصالح العامة من الناس، دون انتهاك لمبادئ العدالة   والمساواة فيما بينهم، فيؤدي العمل لمن قدم له جعلاًً أو فائدة دون غيره   من رفض ذلك، أو يستفيد بأي فائدة مالية أو مادية أياً كانت قيمتها من جراء   قيامه بعمله أو وظيفته، تجعله يثرى بسبب غير مشروع. فقد قال الله تعالى :   "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن   تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً" الأية 58   من سورة النساء. فقد حرم الاسلام أخذ الموظف للرشوة فقد قال تعالى في  كتابه  العزيز: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها الى   الحكام  لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون" الآية 188 من  سورة  البقرة.
وقد ورد في الحديث: "لعنة الله على الراشي والمرتشي"  حديث صحيح- رواه أبو  داود والترمذي وابن ماجه، "الراشي والمرتشي في النار"  حديث صحيح- رواه  الطبراني والبزار، "لعن الله الراشي والمرتشي والرائش"  حديث صحيح رواه  الترمدي والطبراني واحمد بن حنبل. وقد كان المسلمون  الأوائل يخافون لعنة  الله تعالى ويتقون عقابه، "فقد روى أن الرسول (ص) بعث  عبد الله بن رواحه  لليهود وليقدر الخراج الواجب دفعه على النخيل، فجمع له  يهود المدينة بعض من  حلي نسائهم، وقالوا له، هذا لك، وخفف عنا وتساهل في  التقدير، فقال عبدالله  بن رواحه: يا معشر اليهود، والله انكم لمن ابغض خلق  الله إليّ. ولكن ذلك  لا يحملني على أن أحيف عليكم. فأما ما عرضتم عليَ من  الرشوة فأنها سحت،  وإننا لا نأكلها. فقالوا له: بهذا قامت السماوات  والأرض".
وكذلك حرم الاسلام استغلال النفوذ ليتكسب الموظف او يتربح من  وراء الوظيفة  بغير وجه حق، بحجة أنها هدية منحت لشخصه وليست بسبب وظيفته  أو عمله العام  الذي يضطلع للقيام به، حيث قال الله سبحانه وتعالى في محكم  آياته: "وما كان  لنبي أن يغل ومن يغلل يأتي بما غل يوم القيامة ثم توفى كل  نفس ما كسبت وهم  لا يظلمون" الآية رقم 161 من سورة آل عمران. فقد روى أن  الرسول (ص) استعمل  رجل من الأزد يقال له ابن اللتبية على صدقات بني سليم  فلما قدم قال: هذا  لكم وهذا أهدي إليّ. فقام النبي (ص) على المنبر فحمد  الله وأثنى عليه وقال:  ما بال عامل أبعثه فيقول هذا لكم وهذا أهدى إلىّ،  أفلا قعد في بيت أبيه أو  في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا، والذي نفس  محمد بيده لا ينال أحد  منكم منها شيئاً الا جاء به يوم القيامة يحمله على  عنقه: بعير له رغاء أو  بقرة لها خوار أو شاه يتعر يدعوكم رفع يديه حتى  رؤى عفرتي ابطيه ثم قال  (ص): اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت" رواه البخاري  ومسلم وأبو داود.
وقد حرم الاسلام كذلك اختلاس الأموال العامة مهما  كانت ضآلة المبلغ المختلس  وايا كانت صورة الاختلاس، فقد روي عن النبي (ص)  قال: "من استعملناه منكم  على عمل فكتمنا مخيطا (ابرة خياطة) فما فوقه كان  غلولاً يأتي يوم به يوم  القيامة". رواه مسلم وابو داود.
وقد عرف  الإسلام نظام تقديم إقرارات الذمة المالية، وكان حكام المسلمين في  أول عهد  الإسلام يطبقوه، فقد طبقه عمر بن الخطاب يوم تولى الحكم، فكان يأمر  ولاته  أن يدخلوا المدينة نهاراً لا ليلاً، حتى يظهر ما يكون قد جاؤوا به  من  أموال ومغانم ليسهل سؤالهم وحسابهم. وكان يبحث في تصرفات ولاته ليرى ما  قد  يكون فيها من إثراء على حساب الشعب، حيث مر ذات يوم فرأى بناء استلفت   نظره في المدينة، فسأل لمن، فعرف أنه لعامل له على البحرين، فقال: أبت   الدراهم إلا أن تخرج أعناقها، فأرسل إليه وقاسمه ماله. فلم يكن ينجو من   المساءلة عن مصدر المال أحد من الولاه أيا كان قدره في الإسلام أو صلاحه   وتقواه أو مكانته. فعندما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يعين  عامل  له على بلد من البلاد، كان يحصي ما بيده من مال، فمتى تتحددت أمواله  عند  بدء الولاية أمكن له محاسبته على ما زاد فيها بعد الولاية. فقد تيقن   ببصيرته النافذة أن منصب الولاية يجعل لكل والقوة مما يعينه على أن ينال  من  الحلال ما لا يناله غيره، ولهذا فإن بيت مال المسلمين يستحق جزءاً مما   أصابه الولاة زيادة في ثرواتهم حتى ولو كانوا ينموها بالطرق المشروعة، أي   أنه كان يحاسبهم على المكاسب التي تحققت لهم نتيجة لنفوذهم حتى لو كانوا   يعملون بالطريق الحلال، وحتى لو لم يعمدوا لاستغلال نفوذهم ولم يظلموا   أحداً.
حيث افترض عمرو بن الخطاب أن هذا النفوذ هو الذي حقق لهم حتى  ولو بدون قصد  منهم بعض الفائدة وهم لا يستحقونها فيجب مصادرتها لبيت مال  المسلمين، لتكون  للمسلمين جميعاً، وبهذا وصل الفاروق لاكثر مما تعرفه  قوانين الكسب غير  المشروع في معظم بلاد العالم الحاضرة.
وكان من نتيجة  هذه الرقابة الصارمة للولاة أنه شاطر سعد ابن ابي وقاص ماله،  فأخذ نصفه  لبيت  المال وترك له نصفاً، وكذا عمرو بن العاص، وأبا هريرة  وأولئك أسماء  لا يتسرب الشك في عميق ايمانهم وشدة نزاهتهم.
حتى أنه اهتم بمظهر ولاته  خوفاً من الإسراف في مظاهر الولاية والترف كما  فعل مع معاوية بن ابي  سفيان واليه على الشام حيث قدم عمر بن الخطاب راكباً  حمار وأتى معاوية في  موكب ضخم فلما رأى معاوية لم يسلم عليه فنزل معاوية من  على موكبه وظل يسير  وراء ركب عمر حتى تعب فسأله عمر عن الموكب الذي رأه،  فرد معاوية أنه  ببلاد بها جواسيس للعدو وان لم يتخذ العدة استخفوا  بالمسلمين وهاجموهم،  فرد عمر قائلاً: إن كنت صادقاً فانه رأي لبيب، وإن كنت  كاذباً فإنها خدعة  أريب، لا آمرك ولا أنهاك.
 ولم يسلم من رقابته حتى أشد الولاة وأعظم  القواد شأنا وسطوة على الجند حتى  خالد بن الوليد خضع لرقابة عمر بن الخطاب  لشدة ما أخذه عليه في ولايته  للجند أثناء حروب الردة، خاصة في واقعة قتلة  مالك بن نويرة وما نسب اليه من  تعمده ذلك، ليتزوج امرأته التي كانت من  أشهر نساء العرب جمالاً. في نفس  يوم مقتله، وكان هذا أمر يخالف تقاليد  العرب ويكرهوه في زمن خلافة الصديق  أبو بكر، فلما تولى عمر بن الخطاب كان  أول ما اتخذه من قرارات هو عزل خالد  بن الوليد من قيادة الجند وجعله  أميراً للواء بدل من أبي عبيدة عامر بن  الجراح، فأطاع خالد أمر عمر وعمل  أميراً تحت لواء أبي عبيدة وكان أميراً  أيضاً على بيت مال الجند فراجعه  عمر في حساب الأموال التي لديه ولكن خالد  رفض طاعة عمر وكان هذا خطأً  كبيراً منه، كان من ضمن أسباب عزله من الإمارة  أيضاً ولكنه لم يجرؤ على  إثارة الفتنة أو الخروج على الفاروق.
وبذلك يتضح مدى عظمة الاسلام في ارساء قواعد العدالة، فقد  سبق النظم الوضعية في ذلك بمراحل مختلفة.
وعليه فان الامر في حاجة لاستعراض اهم المجهودات العالمية لمكافحة الفساد   سواء على المستويين الاقليمي والدولي وهما اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة  الجريمة المنظمة عبر الوطنية  الموقعة في باليرمو بايطاليا عام 2000م، والتي  دخلت حيز التنفيذ في 29 من  سبتمبر 2003، واتفاقية الامم المتحدة لمكافحة  الفساد والتي اعتمدتها في  الدورة السابقة اللجنة المخصصة للتفاوض بشأنها في  1 من اكتوبر سنة 2003م،  وجرت مراسم توقيعها في شهر ديسمبر من العام نفسه،  والتي دخلت حيذ التنفيذ  في 14ديسمبر 2005، معلنة بذلك ارادة دولية صادقة  لمناهضة شاملة للفساد  والتزاماً بتعديل التشريعات الوطنية وفاءً  بالالتزامات الدولية، وكذلك يجب  الاشارة الى مشروع الاتفاقية العربية  لمكافحة الفساد التي أعيدت صياغتها  في صورتها النهائية في سنة 2009، والتي  تم اعتمادها من مجلس وزراء  الداخلية والعدل العرب وذلك في البنود الاربعة  الواردة على النحو التالي:
أولاً: اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية: لقد   اثار الفساد القلق الدولي بسبب كيفيته في تيسير النشاط الاجرامي الدولي  على  الرغم من أن الشاغل الرئيس للدول الاعضاء في الجماعة الدولية هو  النشاط  الاجرامي الذي ينتج عنه الاعمال غير المشروعة، وتبقى محاربة  الفساد  ومكافحته حلقة في سلسلة متعددة الحلقات للحد من الانشطة الاجرامية  لعصابات  الاجرام المنظم، ومن هنا تمثل جرائم الفساد مدخلاً لاعمال جماعات  الاجرام  المنظم للولوج الى النظام الحكومي في الدولة من خلال رشوة  المسؤولين  واغرائهم بالتربح من وراء الوظيفة الحكومية تمهيداً لاستغلالهم  بعد ذلك في  أمرين أو كلاهما معاً: الأول: هو اتخاذ موقف سلبي بامتناع بشأن  الافعال  الاجرامية التي تأتيها مثل تلك الجماعات وهو ما يتأتى عن طريق  عدم اتخاذ  اية خطوات تنفيذية فعالة تقع على عاتق الموظف العام يكون من  شأنها منع  اتمام مثل ذلك العمل الاجرامي، وهو ما يتم غالباً عن طريق  التأثير على بعض  من العاملين في الاجهزة التي تضطلع بمنع وقوع الجريمة  سواء بصفة أصلية مثل  أجهزة الأمن أو بصفة تبعية مثل أجهزة الجمارك  والضرائب حيث تضطلع الأولى  بمنع جرائم التهرب الجمركي، وتضطلع الثانية  بمنع جرائم التهرب الضريبي. أما  الامر الثاني: فهو اتخاذ موقف سلبي بايجاد  يتمثل في تقديم يد العون  لجماعات الاجرام المنظم بهدف تيسير قيامها بمهام  غير مشروعة والمجرمة  قانوناً، وهو ما يمكن تصوره من أي من العاملين في  كافة الاجهزة الحكومية  طالما كان هناك مجالاً للالتقاء بأنشطة تلك  الجماعات الاجرامية المنظمة  بوجه أو بآخر.
وبهذا فقد افردت اتفاقية  الامم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر  الوطنية المادة (8) منها  بتجريم الفساد، والمادة (9) عن تدابير مكافحة  الفساد عن المصلحة التي  تتغيا الاتفاقية حمايتها بتجريم الفساد وبالتدابير  الاخرى لمكافحته.  والمادة (10) من دعوة الدول الاطراف باقرار المسؤولية  الجنائية عن الهيئات  الاعتبارية عن قضايا الفساد. ومن أهم ما تناولته تلك  المواد الالتزام  الواقع على الدول الاطراف في مجال التجريم على صور السلوك  المختلفة للرشوة  في نطاق الموظفين العموميين والقائمين بالخدمة العمومية،  وبالتعريف  الوارد في القوانين الداخلية للدول الاطراف، وقد شملت تلك الصور  الوعد  بالرشوة أو عرضها أو منحها لأي من هؤلاء، سواء لصالحه او لصالح شخص  آخر أو  هيئة اخرى مقابل قيامه بفعل في نطاق ممارسة مهامه الرسمية أو  الامتناع  عنه، وكذلك طلب الرشوة، والاشتراك في اتيان أية صورة من صور  السلوك  الاجرامي المشار اليها، مع تجريم صور السلوك اذا ارتكبها موظف عمومي  اجنبي  او موظف مدني دولي وهو ما يعد خطوة مهمة في مجال تجريم الرشوة  الدولية،  مع اعتبار طبقاً للبند 2 من المادة 3 من الاتفاقية، ان الجرم ذا  طابع غير  وطني اذا ارتكب في دولة واحدة، وكانت له اثار شديدة في دولة اخرى.

ثانياً:  اتفاقية الامم المتحدة  لمكافحة الفساد: يتبين من مراجعة احكام الفصل  الثالث من الاتفاقية المذكورة  وبخاصة المادة 15 وما بعدها ان الاتفاقية  اعتبرت من جرائم الفساد مايلي:  الجريمة الاولى: جرائم الرشوة بنفس الصورة  الواردة في اتفاقية الامم  المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية  وبخاصة المادتان 15و16 من  اتفاقية مكافحة الفساد. الجريمة الثانية:  المتاجرة بالنفوذ: ويعني وعد  الموظف العام أو أي شخص آخر بمنصب غير  مستحقه، أو عرضها عليه، أو منحه  اياها مقابل التحريض على استغلاله نفوذه  الفعلي، بهدف الحصول من ادارة أو  سلطة عمومية تابعة للدولة الطرف على مزية  غير مستحقة لصالح المحرض أو لصالح  أي شخص آخر، أو قيام الموظف العمومي أو  شخص آخر بطلب أو قبول تلك المزية  (المادة 18 من اتفاقية الفساد) ،  الجريمة الثالثة: قيام الموظف العام عمداً  لصالحه او لصالح شخص او كيان  آخر باختلاس أو بتبديد أي ممتلكات أو أموال  أو أوراق مالية عمومية أو  خصوصية أو أي أشياء اخرى ذات قيمة، عهد بها اليه  بحكم موقعه، أو تسريبها  بشكل آخر (المادة 17 من اتفاقية مكافحة الفساد)،  الجريمة الرابعة: إساءة  استغلال الموظف العام وظائفه أو مهام منصبه، بأداء  أو عدم أداء فعل ما  انتهاكاً للقوانين، بغرض الحصول على مزية غير مستحقة  لصالحه، أو لصالح شخص  أو كيان آخر (المادة 19 من الاتفاقية)، وهو ما يمكن  أن يعتبر من قبيل  التربح، الجريمة الخامسة: اثراء الموظف العام العمدى غير  المشروع،  والمتمثل في زيادة ممتلكاته زيادة كبيرة لا يستطيع تعليلها بصورة  معقولة  قياساً الى دخله المشروع (المادة 20)، وهو ما يعبر عنه بالكسب غير   المشروع، الجريمة السادسة: الرشوة في مجال القطاع والعاملين فيه مقابل   الاخلال بواجباتهم، اثناء مزاولة انشطة اقتصادية أو مالية أو تجارية   (المادة 21)، الجريمة السابعة: اختلاس الممتلكات في القطاع الخاص، من   المديرين والعاملين الذين يعهد بهذه الممتلكات اليهم بحكم مواقعهم (المادة   22).
الجريمة الثامنة: غسل العائدات الاجرامية، وانها أفعال تجرم  باعتبارها  جرائم مستقلة عن الجرائم الاصلية، بحيث يمكن ملاحقة الجناة  فيها، حتى ان لم  تصدر أحكام ادانة سابقة في الجرائم الاصلية مصدر الاموال  التي تجري عليها  افعال الغسل، وبذلك تعتبر تجريم افعال غسل الاموال ليس  غاية في حد ذاته،  وانما هو وسيلة لمكافحة جرائم الفساد الاصلية التي تنتج  هذه الاموال غير  المشروعة (المادة 23).
ثالثاً: مشروع الاتفاقية  العربية لمكافحة الفساد: اعد في نطاق مجلس وزراء  الداخلية العرب مشروع  اتفاقية عربية لمكافحة الفساد في تونس عام 2003، وتم  دعوة الامانة العامة  لمجلس وزراء الداخلية والعدل العرب إلى اجراء التنسيق  اللازم لوضع  الاجراءات التنفيذية، ولكن تم بناءً على ملاحظات جدية مراجعة  هذا المشروع  على مدار ستة سنوات من قبل خبراء عرب من مجلسى العدل والداخلية  العرب وفي  ختام اجتماعهم المشترك الخامس بتاريخ 11/6/2009م تم الاعلان عن  مشروع  الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد بصورته النهائية وتم إقراره من  مجلس  الداخلية والعدل العرب في عام 2010 وينتظر دخوله حيز التنفيذ بعد  التوقيع  عليه رسمياً من الدول الأعضاء. وأن هذا المشروع العربي لا يختلف   كثيراً  عما ورد في الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد التي وقعت عليها الدول   العربية، ولكن احتوى المشروع في بعض مواده على الخصوصية العربية ولكن   الاهداف المنشودة هي الحد من ظاهرة الفساد ومكافحة هذه الجريمة العالمية،   وإن هدف المشروع هو تعزيز التنسيق والتعاون المتبادل وتضافر الجهود للحد  من  ظاهرة الفساد كخطوة أولى ومهمة تساهم في الحد من هذه الظاهرة في  المجتمعات  العربية، وعلى تعزيز التعاون العربي كذلك مع الدول الاقليمية  والدولية في  اطار الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، ومما هو جدير بالذكر  أن هناك ايضاً  مشروع قانون نموذجي عربي لمكافحة الفساد لا يختلف مضمونه عن  هذه  الإتفاقية.
علماً بأن مشروع الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد  يتضمن 35 مادة ويهدف الى  تعزيز التدابير الرامية للوقاية من الفساد  ومكافحته وكشفه بكل اشكاله  وسائر الجرائم المتصلة بها وملاحقة مرتكبيها،  وتعزيز التعاون العربي على  الوقاية من الفساد ومكافحته وكشفه واسترداد  الموجودات وتعزيز النزاهه  والشفافية والمسائلة وسيادة القانون، وتشجيع  الافراد ومؤسسات المجتمع  المدني على المشاركة الفعالة في منع ومكافحة  الفساد وتشجيع اجهزة الاعلام  على كشف الفساد وعدم التسامح مع المفسدين.  وهذا وقد تكفلت المادة الرابعة  من المشروع المذكور من بيان الافعال التي  يجب أن تجرمها الدول الاطراف في  تشريعاتها الوطنية كجرائم فساد وهي نفس  الجرائم الواردة في اتفاقية الامم  المتحدة لمكافحة الفساد مع اضافة جرائم  اعاقة سير العدالة، وهذا وقد أخذ  مشروع الاتفاقية العربية في المادة 5 منه  كالشأن بالنسبة لاتفاقيتي الامم  المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر  الوطنية أو مكافحة الفساد بتقرير  مسؤولية الاشخاص الاعتبارية.
رابعاً:  قانون الكسب غير المشروع الفلسطيني رقم (1) لسنة 2005م: يتضح من  هذا  القانون انه في الفقرة الثالثة من المادة الاولى منه نص على تجريم  الكسب  غير المشروع. وفي المادة 2 نص على الاشخاص الخاضعين لهذا القانون  ويلاحظ  انه بخصوص التجريم في مجال مكافحة الفساد عدم شمولها لكافة الحالات   الواردة سواء في اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد او اتفاقية الامم   المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، ولا مشروع الاتفاقية  العربية  لمكافحة الفساد الاولى في عام 2003م، أو الثانية في عام 2009  وبذلك يعتبر  القانون الفلسطيني قاصراً في مجال التجريم اشكال الفساد مما  يعني وجوب  اعادة النظر في هذا القانون من ناحيته، بل أننا نجد أن القانون  جاء قاصراً  في مجال التعاون الدولي في مكافحة قضايا الفساد واسترداد  الموجودات وحجزها،  وتوعية المواطنين بقضايا الفساد، ومشاركة المجتمع  المدني في ذلك.
وخلاصة العقد، إن الأمل معقود أن تثمر المجهودات التي  تبذل على مختلف  الاصعدة وطنية كانت أو إقليمة أو دولية وفي سائر مناحي  المكافحة عن الحد  إلى اقصى درجة ممكنة من ظاهرة الفساد، تجنباً لاخطاره،  وتلافيا لتناميه  السرطاني، وذلك قبل ان تترسخ قواه، ويزداد اتساع مجاله،  ويتجاوز حدود  السيطرة، هذا مع ضرورة تعديل قانون الكسب غير المشروع  الفلسطيني لينسجم مع  اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد وبخاصة في  تحديد صور السلوك الجديرة  بالتأثيم واعتبارها بهذه المثابة جرائم فساد،  وهو المنهج الذي نراه أولى  بالاتباع، مع ضرورة الاسراع في استكمال هيكلية  هيئة الكسب غير المشروع، وضع  قانون عقابي جديد ومعاصر ليواكب التطورات  المتلاحقة في جرائم الفساد  ومفاهيمه، مع أملنا بأن ترى النور الاتفاقية  العربية لمكافحة الفساد لتعزيز  اوجه التعاون العربي في مكافحة الفساد.

 

استضافة وتصميم
IXphoenix لخدمات الويب

جميع الحقوق محفوظة © 2012 - لموقع الدكتور أحمد براك
يرجى التقيد بالمقتضى القانوني بعملية الإقتباس من المقالات و الدراسات المنشورة في الموقع